بيت العنكبوت

Progress 93%

Chapter 13 of 14

Chapter 13 of 1493%

الجزء 13

الفصل الثالثة عشر

- لحظات فرح –

في حياتي لم أشهد عرسا مثل عرس أسعد وهبة

...

شهدت أعراسا في أفخم الصالات في العاصمة

وشهدت ذات مرة زفافا في أفخم الفنادق خارج

السودان ولكني لم أشهد زواجا أجمل من زواج

أسعد وهبة .. تعالوا لأحكي لكم .. كانت ملقية

على الأرض مثل الخرقة البالية .. مرعوبة ..

مصدومة وممزقة الثياب وحولها ثلاثة ذئاب

يضحكون بمجون .. غابت عن الدنيا من الصدمة وحين

عاد إليها شعورها شعرت بيد حانية تحيط بها

وقميص جديد يسترها بعد أن تمزقت أزرار الأول ..

تفتح عينيها لتجد أنها تحلم .. هل كان حلما ؟ هل

هذا أنت يا أسعد ؟ نعم .. مستحيل أن تخطئ

التعرف على تلك الملامح منذ أول يوم تعارفا في

معرض كلية الصيدلة حين حاولت أن تتذاكى عليه

فمسح بكرامتها الأرض وأثبت لها أنها لا تفقه

شئ في علم الصيدلة ‏( الفارماكولوجي ‏) .. تهمس

غير مصدقة :

- أسعد ؟؟؟

ثم تنهمر دموع الفرحة الحبيسة منذ شهر ونيف

من الأيام .. حملها أسعد برفق ب ثم مشى بها

نحو البيوت ونحن من خلفه .. أسمعه يصيح بكل

قوته :

- يا أهل الحي .. يا شيخ حسن .. أطلعو بره الدار

أمان .. أنا عايزك يا شيخ حسن

تطل الرؤوس المتوجسة من فوق الحوائط

لتستطلع ما يحدث ، ويواصل أسعد صياحه :

- أطلع يا شيخ حسن

تسألني المراسلة الإعلامية الأمريكية أنجيلا وهي

تعرج جواري :

- ماالذي يفعله صديقك بالضبط ؟

- لا شئ إنه يريد أن يتزوج فقط

- أه .. ماذا ؟

قلت لها شارحا :

- هذه خطيبته تركها منذ شهر ورجع لمدينته ثم

عاد ليتزوج بها

- الآن ؟

- نعم الآن

بدأ عليها الإنبهار من الفكرة بينما تبعت أنا أسعد

.. ببطء راحت الأبواب تفتح .. ثم خرج شيخ حسن

إمام مسجد الحي ، بقامته الضئيلة فصاح أسعد :

- يا ناس .. أنا عازمكم عرسي الليلة

تبادل الناس النظرات التي تشكك في عقليته

ولكنه أقترب من شيخ حسن ووقف أمامه قائلا :

- أنا أسعد .. طبيب بشري ودي هبة طبيبة صيدلانة

وخطيبتي من سنتين، والديني متوفيين وبرضو

والدينا متوفيين وانت بس ابوي وابوها الليلة

وعايزك تعقد لينا

حك شيخ حسن رأسه ثم قال بصوت واهن :

- الفيها الخير يعملها ربنا

مع عبارته أطلقت إحدى النساء زغرودة عالية بدأ

صداها عجيبا في فضاء الحي .. الزغاريد عبارة عن

عدوى سرعان ما تنتقل لتعم كافة النساء .. خرج

بقية أهل الشارع على صوت الزغاريد التي لم

يسمعوها منذ وقت طويل .. خرج الشباب وذهبوا

لمخزن المسجد وأخرجوا الصيوان والكراسي ..

إقتربت أنجيلا من أسعد وهمست له :

- أترك هبة الآن لتدخل معنا للبيت وأبق أنت هنا

ثم سمعتها تقول لهبة المندهشة :

- تعالي معي يا عزيزتي أعتقد إن عند بعض أدوات

المكياج في حقيبتي

النسوة جذبن هبة بعيدا لداخل البيت بينما وقفت

أنا مع أسعد نحدق بخلية النحل التي تدور حولنا ..

أحد الشباب إقترب منا وهو يقول :

- يا عريس في جنريتر قديم في مخزن المسجد لكن

ما فيهو جاز ممكن نشيل من العربية لو التنك

بتاعها مليان ؟

قال له أسعد بدون تردد :

- شيل طوالي التنك مليان

وجاء شابان آخران وأحدهم يقول :

- أحم .. أنا أحمد وده سامي ياريت تتفضل معانا ا

عريس عشان تنضف شوية لأنو شكلك منتهي عديل

كده

قال لهم أسعد ساخرا :

- معليش بس مشيت الحلاق لقيتو قافل

جذبه أحمد من يده وهو يقول :

- أنا بحلق ، إنت بس تمشي معانا البحر تستحم

ونرجع تحلق سريع ، وسامي عندو جلابية جديدة

ومعاها طاقية وشال وشبشب .. حنجيهك ما تخاف

إبتسمت أنا وأنا أراهم بعد نصف ساعة قد غيروا

هيئته تماما وصار عريسا بأبسط الإمكانيات .. في

الميدن الفسيح تم نصب الصيوان وأحضر أحدهم

سماعات عملاقة من النوع الحديث ووزعها داخل

الصيوان .. تراص الناس في المقاعد وهم مذهولين

وغير مصدقين إن هذا عرس .. غربت شمس ذلك

اليوم وتعاون الشباب وشغلوا الجنريتر .. هدر

لحظات ثم سطعت أضواء الكشافات القوية لتنير

سماء أمدرمان .. ساد الصمت الطويل ولم يعد

يسمع غير صوت الجنريتر .. على سرير وثير جلس

أسعد وجواره جلس الشيخ حسن وأنا .. ثم سمعنا

صوت الزغاريد تنطلق من داخل البيت وفتح الباب

الكبير ... على ضوء الكشافات خرجت هبة وهي

محاطة بالنساء وأنجيل تمسك بيدها .. لم أعرفها

في البداية .. كانت ترتدي ثوبا سودانيا أحمر

موشى بخيوط ذهبية يخطف الأنفاس .. كانت

لامعة متألقة ويديها مزدانة بالحناء المنقوشة التي

صارت قبل سنوات ترسم وتجف في دقائق معدودة

.. تمشي مثل أميرة متوجة وفي الأجواء شغل

الشباب أغنية يا عديلة يا بيضا يا ملايكة سيري

معاه .. بعض الناس بكى .. الأغنية تتردد عبر

السماعات والعروس تخطو لتصل إلينا فيجلسها

شيخ حسن على يساره .. أسعد يبدو مبهورا وفمه

مفتوح على نحو مضحك .. ثم تبدأ مراسم العقد ..

العيون شاخصة نحو الشيخ وهو يتلو بصوت رقيق

آيات الزواج ويتكلم عن حقوق الزوج والزوجة ثم

على رؤوس الأشهاد أعلنهما زوجا وزوجة .. تعالت

الزغاريد لعنان السماء .. النساء يزغردن .. الرجال

والشباب يصرخون .. ثم دارت الأغاني من الفلاش

الذي يديره الشاب المسئول عن السماعات .. رقص

الناس كما لم يرقصوا من قبل .

. مثل فراشات

مجنونة تحن للضوء وقد وجدته في صحراء الظلام

الدامس .. كل الأغاني كان لها طعم ورائحة في

تلك الليلة .. حتى الأغاني الهابطة بدت لي جميلة

.. تقاطر الناس من كل حدب وصوب نحو مصدر

الغناء .. وردي يغني :

نجم الليل منو العداهو غيري

وزاد حسابو شوي

وسافر فوق خيالو

قاصد سحاب الري

بنيت في الموج قصور آمال

ومديت للرهاب إيدي

وشديت سرجي فوق الريح

عشان ألقاك بدور أطوي

المسافات طي

والشباب يردودن معه :

سوات العاصفة بي ساق الشتيل الني

لم يكن فرحا بل كان جوعا ونهما للفرح .. أناس

نسوا ما هو الفرح والغناء وأعادهم إليه صوت

محمود ب :

الكنت قايلو فات زمان

رجعتو بي طعم الغنا

يلتف الناس حول العروسين ليقوما ويرقصا ..

جذبني أسعد لأدخل الدائرة .. أنا لا أجيد الرقص

ولكني رقصت .. من أعماق جسدي المكدود الذي

لم يعرف السعادة من زمن طويل رحت أتمايل

معهم .. من الذي يغني ؟ لا أدري .. ماذا يغني ؟

لا أدري فقط كنت أشارك في عدوى الفرح الجميل

التي عمت الجميع .. تتلاقى نظراتي مع أسعد

فأرى في عينيه نظرة إنسان إنتهت كل همومه

وإبتسمت الدنيا في وجهه ، بينما نظرتي أنا لم

تحمل سوى القلق لأنني أعلم إن رحلت لم تنتهي

وأن أمامي غدا من خيوط الفجر الأولى أن أشق

طريقي من جديد عبر أدغال الخرطوم نحو الأمل

المنشود الذي طال إنتظاره .. المطار

‏(يتبع ‏)

Previous chapter Next chapter

Ads support free reading. Privacy