بيت العنكبوت

تقدّمك ٧٪

الفصل ١ من ١٤

الفصل ١ من ١٤٧٪

الجزء 1

الفصل الأول

- حصار –

أنا مريض ..

في الحقيقة تحاملت على نفسي كثيرا قبل أن أعترف لها بهذه الحقيقة بعد أن تجاوز الأمر الحد .. هذه الآلام القوية في جسمي ونوبات الإغماء تقول إن هناك شيئا ما غير طبيعي يحدث داخل جسمي .. هل هي الملاريا ؟ لا ليست الملاريا .. ليس لي أي خبرة طبية ولكن بالنسبة لشخص يصاب سنويا بها فهي تغدو كالصديقة العزيزة التي تعرف كل شئ عنها .. لا ليست ملاريا .. يحتاج الأمر لفحوصات ولرأي طبيب متخصص .. ههههههه ضحكت بسخرية من هذه الفكرة الخيالية ... فحوصات وطبيب مختص ؟؟ كان هذا فيما مضى .. قبل عام أو أكثر ربما كان بإمكانك أن تحلم بالذهاب ذات مساء لشارع العيادات والحجز عند أي أخصائي ذو إسم رنان ..

كان بإمكانك حينها أن تجلس على الكرسي في إنتظار دورك وتفتح صحيفة ( قوون) التي أدخرتها منذ الثالثة عصرا لهذه المناسبة .. يااااه كم مضى من الزمن ؟؟ الآن صارت أقصى أحلامك هي أن تعيش ليوم غد .. أن تجد لقمة ليوم غد .. أن تقاتل لملء باقة ماء متوسطة من الماسورة التي كسرها شباب المنطقة ليوفروا المياه .. تفحصت أرجاء غرفتي بنظري ثم خرجت للحوش .. صارت الرائحة الكريهة هي القاعدة وغيرها إستثناء ..

أحدهم مات من الجوع داخل بيته وتعفن ولكن لا أحد يجروء للخروج والتقصي .. لقد مات وشبع موت فلماذا أتعب نفسي بالمجازفة والخروج وأغلب الظن إنني سألحق به .. قبل شهرين دفنت جاري في فناء بيته جوار زوجته وإبنه الرضيع اللذين سبقاه للموت .. لا يوجد مفر .. ليس هناك أي طريقة لحمل جنازة والذهاب بها للمقابر .. أدفنوه حيث هو فلا أمان لك لو غادرت بيتك لمسافة شارعين فقط لا غير .. هناك ألف سبب للموت بإنتظارك ..

معذرة لأنني سببت لكم كل هذا الغثيان من أول عشرة أسطر .. معذرة .. أنا فقط أحاول أن أضعكم في جو الأحداث ..

أحاول أن أجعلكم تدريجيا قادرين على إبتلاع الصدمة كما فعلنا نحن .. صحيح أنها كانت كبيرة ووقفت لنا في حلوقنا وأستقرت هناك للأبد ولكن في النهاية تعودنا عليها .. سيارة أبي اللاندروفر العتيقة لا تزال تقف هناك في مكانها .. وقد كساها الغبار وزينتها الأوساخ لأنها لم تتحرك منذ عام كامل .. أسلاك الكهرباء التي لم تعد تأتي بأي كهرباء تتشابك مع أغصان النيمة الكثيفة وتنحني معها حتى تلامس خزان المياه الفارغ فوق الحمامات .. الراكوبة المزدانة بالحصير والمطبخ الصغير .. بيت عادي في حي عادي في مدينة عادية .. أدخل للمطبخ وأفتح الدرج بحذر لألقي نظرة على كنزي الغير الذي يختبئ هناك .. كرتونة صفراء من بسكويت ( كابتن ماجد) وربع جوال من البلح الجاف ودستة من علب الكبريت والكثير من بقايا الحلويات ..

بقايا دكان أخي الراحل التي أنقذتني من الموت جوعا في هذا السجن الإنفرادي الرهيب .. لا مفر من الخروج والبحث عن طعام .. سينتهي مخزون المؤن قريبا وهذا الضعف والألم الذي أشعر به سيزيد مع مرور الوقت .. أشك إنني سأجد طبيبا في مثل هذه الظروف ولكن لابد من المحاولة .. هناك أطباء لايزالون أحياء كما أتمنى في الخارج .. فكرة الموت وحيدا من الجوع والألم تبدو لي رهيبة جدا .. أتناول قطعة بسكويت وأعود لغرفتي لأجلس جوار جهاز اللاسلكي المتهالك الذي صنعته بنفسي قبل عامين في مشروع التخرج وهناك نسخة أخرى منه عند صديقي معتصم في الخرطوم .. الخرطوم ؟؟؟ ياااااه يا خرطوم .. ترى كيف حالك الآن وكيف حال ( آية ) ؟ منذ إنهيار شبكات الإتصالات الكبرى وتوقف الإرسال التلفزيوني والإذاعي وإنقطاع الإنترنت عن البلاد قبل عام ، وأنا لا أعلم أي شئ عنكما ..

هل لا تزالين على قيد الحياة يا آية ؟ هل تذكرين وجهي يا ترى .. أدير مؤشر اللاسلكي وأغمض عيني داعيا الله أن يكون معتصم على قيد الحياة .. أن يكون في مكان آمن ( وهل هناك مكان آمن في الخرطوم بعد الذي حدث ؟ ) .. أن يكون الجهاز معه ويفتحه عله يلتقط موجتي .. أفعل هذا كل يوم منذ عام بدون كلل في عتمة الغرفة الضيقة وصوت رصاص يأتي من بعيد يليه إنفجار .. أحداث معتادة .. بعضهم يقاتل بعضهم .. بعضهم سيموتون اليوم وبعضهم سيستمرون ليقاتلوا بعضهم في اليوم التالي .. من هم ؟ الحقيقة لا أدري ..

قبل عام كان كل شئ شبه واضح .. كان الأبيض أبيض والأسود أسود .. كان هناك جيش وشرطة ومليشيات تتبع للجيش وأخرى للشرطة .. كان هناك حركات متمردة مسلحة تقاتل الجيش والشرطة والملشيات .. كانت هناك حكومة وكانت هناك معارضة .. كانت هناك كهرباء وماء ووقود وإتصالات .. كان هناك أمن .. تيت .. تيت .. تيت .. صفير متقطع يأتي من اللاسلكي المفتوح ومصباحه الأخضر يومض .. ضربات قلبي ترتفع وغمامة سوداء تكتنف رأسي وتجعلني أغيب عن العالم دقيقة أو أكثر وحين أفقت كان الصفير لا يزال يتردد .. أدير المفتاح وأجاهد لأخرج صوت من حلقي .. لم أستعمل صوتي منذ زمن إلا للأنين من الألم :

- ألو .. معتصم .. إنت سامعني ؟

يأتيني صوته من بعيد .. عابرا مئات الكيلوميترات .. عابرا السهول والجبال والنيل .. عابرا مئا

ت الأهوال والأخطار والمدن .. صوت معتصم ينادي :

- ألو .. ( س) إنت حي ؟ الحمد لله الحمد لله

لا وقت عندي للتحايا لأن الحال هو أسوأ حال يمكن السؤال عنه .. أقول له :

- أنا حي والحمد لله لكن شكلي حأموت قريب .. أنا محاصر جوة البيت وما قادر أطلع ولينا أربع أيام بنسمع صوت الرصاص شكلو في قوة جديدة إجتاحت المدينة تاني .. أنتو الخرطوم حالها كيف ؟

تلك كانت أكثر تنهيدة مريرة أسمعها في حياتي .. تنهيدة حملت كل اليأس والحزن وهو يجيب :

- الخرطوم ؟ وهي فضلت خرطوم ؟ بقت خلا يا (س) .. كل قوة مسلحة في البلد دي إقتحمتها .. وحاليا عندنا عصابات وحاجات كتيرة .. أسمعني إنت بتقدر تلقى طريقة تجي هنا ؟

- بدون بص سياحي وبدون عربية أو طيارة وأساسا وقود مافي ؟ وأجي عشان شنو ؟ أهرب من الحلة للنار ؟

طال صمته قليلا ثم قال :

- في زول عايز يتكلم معاك قبل أن أسأله من هو إنساب صوتها عبر الأثير .. آية .. آيتي .. الحنان حين يختلط بالبكاء والخوف واللهفة :

- ألو .. (س) إنت كويس ؟ إنت وين ؟ عايش كيف ؟ إنت ألخ ألخ فوجئت بدموعي تسيل بصمت على وجهي .. أحاول أن أمد أصابعي علني ألمس أصابعها كما لمستها ذات مساء بعيد في شارع النيل .. ألملم شتات نفسي وأرد :

- أنا كويس يا آية .. إنتي كويسة ؟ لم أسمع غير صوت البكاء ثم جاءني صوت معتصم :

- أسمعني يا س .. نحن هنا كمية كبيرة من الناس هربنا من بيوتنا ولجأءنا للقيادة العامة .. حاليا مافي شبر واحد في العاصمة آمن إلا هنا .. المساحة بتاعة المطار والقيادة حاليا مسورة بالكامل ومأمنة لأنو في قيادات كتيرة من الجيش رفضت تستسلم للحاصل ومعهم جنودهم برضو ، وأي زول عايز يلجأ هنا مرحب بيهو ..

في مستشفى كبير وخدمات طبية كويسة لأنو مدرج المطار لسه شغال وفي بعثات من الأمم المتحدة بتوصل لينا الإغاثات رغم تفجير طيارتين ليهم قبل كده .. في مياه شرب نقية وطعام كافي وفي إتصالات داخلية برضو .. نحن محتاجين لأي زول عندو خبرة بالذات في مجال الإتصالات زيك كده يا س .. لو لقيت أي طريقة حاول تجي أنا منتظرك وآية منتظراك .. حافظ على بطارية اللاسلكي حأتصل عليك تاني

ربما كان هناك بعض الأمل .. ربما ولكن فكرة السفر وقطع ستمائة كيلومتر من مدينتي حتى الخرطوم وسط هذه الظروف تبدو مستحيلة .. تبدو بعيدة جدا .. ولكن صوت آية جعلني أفكر من جديد مالذي سأخسره ؟ حياتي ؟ ربما رصاصة واحدة ستكون أرحم وأسرع من التعفن في غرفة مظلمة .. تبا .. تبا لزمن الدم هذا .. أخرج من غرفتي للحوش نحو السيارة اللاندروفر .. أفتح كبودها وأتمم عليها .. فيما عدا القذارة هي بصحة جيدة سأغير لها الزيت الليلة وعندي باقة وقود لم أستخدمها من قبل .. أعرف أنها لن تكفيني ولن تجعلني أصل للخرطوم .. أعرف إنه ربما ستقطع قبل أن أصل لمدينة (أ) ولكن لا بد من المحاولة .. ألا ترون هذا معي ؟

الفصل التالي

الإعلانات تدعم مجانية الروايات. الخصوصية