بيت العنكبوت

تقدّمك ١٠٠٪

الفصل ١٤ من ١٤

الفصل ١٤ من ١٤١٠٠٪

الجزء 14

الفصل الاخير

‏

- الإشارة –

مع شروق شمس اليوم التالي ودعنا أسعد وهبة ..

إنزلق بهما المركب الصغير زي المجدافين من شط

أمدرمان نحو جزيرة توتي ، حيث لا يزال يعيش

هناك أشخاص آمنين وحيث سيقضيان شهر عسلهما

، لوحا لنا مودعين على وعد اللقاء مرة أخرى في

المطار .. ساعدت الصحفية الأمريكية المصابة أنجيلا

على الركوب وتغلبت على كل الألم الذي أشعر به

في جسمي ويشتعل في عظامي ، وأدرت المحرك

وأنطلقت .. في رأسي كلمات أسعد الأخيرة لي هذ

الصباح :

- لو ما فحصك أخصائي يا س وعمل ليك كل

الفحوصات والأشعة ما حنقدر نعرف عندك شنو ، أنا

أستبعد إنو عندك سرطان زي ما قلت ليك قبل كده

، لكن كل شئ جائز عشان أكون صريح معاك ، في

أمراض إسمها أمراض المناعة الذاتية وفيها جهاز

المناعة بتاعك بيهاجم جسمك ويمكن يعمل نفس

الأعراض الإنت بتشتكي منها دي .

تمر السيارة بالكوبري الحديدي الخالي وقد إرتفعت

الشمس وبدأت جحافل حرارتها تصلنا .. حكيت

للصحفية الأمريكية كل ما مر بنا في طريقنا مع

أسعد وأنصتت لي وهي فاغرة فمها ، ثم أخرجت

من جيبها هاتف أيفون من النوع الذي تدوم

بطاريته وألتقطت لي صورا وسجلت حكايتي وهي

تقول لي :

- لو عدت حية إلى وطني سأحرص أن يعرف العالم

حكايتك وحكاية وطنك الذي يستحق أن يساعده

العالم لينهض من جديد

- هل تظنين أن هناك أمل لهذا البلد أن تقوم له

قائمة مرة أخرى ؟

قالت لي الخبر الذي لم أسمعه من قبل :

- أعتقد إن هناك مجلس حكم إنتقالي تكون برئاسة

بروف يحيى - إن كنت تعرفه - وهم يتفاوضون الآن

من الحركات المسلحة والمليشيات لوقف العدائيات

وإعادة الأمن وعجلة الإنتاج

لم أكن قد سمعت بهذه المعلومة من قبل ولكنها

بدت لي مثل بارقة أمل بعيدة تمنيتها أن تحدث ..

كنا قد تجاوزنا أمدرمان وراحت السيارة تنهب طرقات

الخرطوم .. كم هو مخيف مشهد السوق العربي

وهو خالي من البشر .. عمارات خالية وشوارع مليئة

بالقمامة .. جرائد قديمة وأكياس تدفعها الريح

لتحتك بالأسفلت المتسخ صانعة خشخشة كئيبة ..

فقط من حين لأخر تلمح أحد المتشردين يتسكع

ولكنه يطلق ساقيه للريح بمجرد سماعه صوت محرك

السيارة .. عند بلوغنا ملاعب كمبوني القديمة

سمعنا صوت الرصاصة .. كان صوتها مدويا وسط

السكون حتى إن أنجيلا أنتفضت مذعورة وهي

تتلفت ، لنسمع صوت الرصاصة الثانية وهي ترتطم

بجسم اللاندروفر .. هناك عند تلك العمارة التي

كانت مقرا لعدد من الصحف فيي الماضي رأيت

شخصا ملثما يمسك بندقية ويطلق النار .. ضغطت

على دواسة الوقود لأقصى حد لتنطلق اللاندروفر

ومعها ضربات قلبي .. رصاصة جديدة تنطلق تجعل

السيارة ترتج بعنف وتميل .. لقد نسفوا الإطارات

الخلفية .. قلت لأنجيلا مضطربا :

- أسرعي أنزلي وأجري معاي

كان كاحلها يؤلمها فأسندتها بيدي وجرينا ومن

خلفنا دوي الرصاص ، ثم سمعنا صوت صرخات تدوي

من بعيد :

- أمسكوهم

- معاهو خواجية

قلبي يخفق .. سأفقد الوعي في أي لحظة .. لم

يتبق الكثير لنبلغ القيادة ، هذا هو شارع المك نمر

وتلك هي الوزارات القديمة ومدخل شارع الحوادث

وكلية التمريض قلت لها لاهثا :

- أنا ما بقدر أواصل

تقول لي بفزع وهي تجر رجلها المصابة جرا :

- إذا توقفنا سيقتلوننا

أصواتهم تأتي من بعيد ونحن نقطع الشارع .. تلك

هي القيادة تبدو من بعيد .. البوابة العملاقة

لقيادة القوات البرية سابقا .. تقول لي أنجيلا وهي

تتوقف :

- لن نصل سيقبضوا علينا قبل أن نصل للبوابة

تلفتّ حولي بعجز شديد حتى لمحت مدخل أحد

المباني الحكومية القديمة وهو محاط بالأشجار

والنباتات .. صحت فيها بسرعة :

- تعالي أدخلي هنا ، وأنا حأحاول أوصل البوابة

وأجيب معاي دعم ، إتلبدي كويس وما حيشوفوك

كانت فتحة الباب ضيقة ولكنها عبرتها وأختبأت

هناك ، فتلفت أنا متوترا .. أين أختفوا ؟ من أين

ستأتيني الرصاصة ؟ هل إنقسموا لفريقين

ليحاصروني قبل أن أصل للبوابة ؟ تركت الأسئلة

خلفي وتسترت بظلال الأشجار وأنا أجري .. أعبر

الطريق الإسفلت وثبا .. عشرون مترا قبل البوابة ..

عند السكة حديد التي أمام بوابة القيادة أعلن

جسدي المتعب المكدود التمرد .. شعرت بالدنيا

تظلم أمام عيني وبقدميّ رخوتين من تحتي ، ثم

تهاويت على قضبان السكة حديد .. لدقيقة أو أكثر

غبت عن الوجود ثم فتحت عيني .. أحاول تحريك

جسمي ولكنه كان ثقيلا للغاية .. الحديد الساخن

كان يشوي ظهري والشمس اللاهبة تضرب وجهي

وهي تضحك ساخرة .. متى سيصل هؤلاء ليقتلوني

ويرحمونني من تلك الآلام ؟ هل تلك البوابة بها

كاميرات مراقبة لكي يروني ويهبوا لنجدتي ؟ لا

أدري .. أسمع أصوات أولئك الذين يطاردنني ..

أغمض عيني مستسلما لمصيري .. آه يا أية .. فقط

لو يطاوعني جسدي لينهض ويقطع تلك الأمتار

القليلة لأقف عند البوابة ليفتحوا لي وألتقيك ..

سأبكي بين يديك كالطفل الصغير وسأحكي لك كل

شئ مر بي .. سأحكي لك عن رحلتي الطويلة .. عن

المدن الخالية وقوات الحركات وقوات ال‏( ج ‏) الذين

لايزالون يلعبون لعبة توم وجيري على جسد الوطن

الصريع .. سأحكي لك عن الرباطة والأنتي كوز

وسأحكي لك عن إنسان جميل إسم

ه أسعد وعن

عائلة عم إسماعيل الطيبين وعن زواج أسعد وهبة

.. آه يا أية لو يطاوعني جسدي .. سأقيم لك زواجا

أجمل بألف مرة من زواج أسعد وهبة وسأذهب

معك لشهر العسل إلى كسلا كما كنت تحلمين ..

أنت تحبين كسلا وأنا ‏(حبيت عشان كسلا ‏) .. ومن لا

يحب كسلا ؟ .. ما بين مناجاتي لنفسي وفيضان

عيني بالدموع رأيت ذلك المشهد النادر الذي لم

يحدث منذ عام كامل .. سحابة .. سحابة بيضاء كبيرة

تهادت في سماء الخرطوم بخيلاء وتكبر ... سحابة

أخرى تأتي من يمين الشمس وأخرى من خلفها ..

حصار كامل ثم أطبقت السحب لتخفي القرص المضئ

الحارق من خلفها .. كل الأعين إرتفعت للسماء ..

الناس القابعين في البيوت .. شباب العصابات ..

أسعد وهبة الجالسين أسفل شجرة مانجو وارفة

في جناين توتي .. الكل بلا إستثناء رفع رأسه

لأعلى .. ثم هطلت الأمطار .. الرزاز البارد الشفيف

هبط ليقبّل الأرض العطشى .. أغمضت عيني ورأيت

بعين الخيال .. رأيت البروف يحيى وهو يقف أمام

النافذة ويهمس لنفسه :

- الإشارة

ثم يتصل باللواء سالم ليصدر له التعليمات أن :

إنطلقوا على بركة الله ، فتبرق عينا اللواء العجوز

بحماس وهو ينطلق لتنفيذ الأمر .. يعرف أن الأمر

صعب وأن الطريق طويل لأن معركة البناء أصعب

وأمرّ من معركة التدمير .. يعرف إنه سيمسك

بمقاليد الأمور .. سيفاوض وسيبني وسيفرض الأمن

وهيبة الدولة وحين تستتب الأوضاع سيتنازل

ويسلم الأمر لحكومة مدنية ديموقراطية منتخبة كما

خطط البروف .. أراه يسرع الخطى ويصدر الأوامر

بصوته الجهوري المميز .. أرى البوابة العملاقة

تفتح ببطء لتكشف من خلفها آلاف الشباب بزي

الشرطة الموحد الجديد وعلى وجوههم نظرات الحزم

والعزم .. آليات ومعدات وأسلحة .. أراهم ينطلقون

وينتشرون في الدروب كإنتشار السحاب .. يطمئنون

الآمنين الذين طال خوفهم .. يعيدن الحياة للمدينة

المتعبة .. أرى الخرطوم من جديد شابة تنهض من

وسط الرماد .. أرى السيارات تعود للطرقات والناس

يشترون الجرائد من الأكشاك ويشتكون من زحمة

المواصلات .. أرى الطلاب عائدين من مدارسهم

بزيهم الأخضر المبرقع وهم يتضاحكون ويتبادلون

المزاح .. أرى شارع النيل يعود للحياة .. أرى

العدوى تنتشر للمدن والقرى والفلوات .. أرى الوطن

ينهض من جدد على أكتافهم .. شبابك تشابك ..

شديد الزحام .. أراهم وراهم .. غبار الحياة .. رزازا

يبلل غناوي الخليل .. أحبك ملاذ وناسك عزاز .. أحبك

حقيقة وأحبك مجاز .. إسمي هو ‏(س‏) .. ضعيف ..

يعبث في جسدي مرض غامض لا أدري ما هو . هل

هو سرطان أدى لجنون خلاياي .. هل هو مناعة

ذاتية أدت لجنون أجهزة الدفاع عندي وجعلها

تهاجم الجسم ؟ هل هو فشل كلوي أدى لتراكم

السموم بدخلي ؟ .. أمامي البوابة حيث ينتظرني

الأمل والنجاة والحب ومن خلفي أسمع اللهاث

الوحشي لمن يطاردونني ويريدون قتلي .. أسمع

صوت الصرير فأعرف إن البوابة ستفتح وأسمع صوت

الصراخ فأعرف إنهم يقتربون .. مهما حدث ومهما

كانت النتيجة فأنا أعرف شئ واحد : من يصل إليّ

أولا منهم .. سيضع حدا لعذابي وآلامي لهذا

أغمضت عيني وأستسلمت لقدري .. وتواصل هطول

الأمطار

**************************************

من هنا .. من تلك الأرض على الخريطة التي

يسمونها السودان ، حضرت وشهدت بعيني كيف

يعيشون وكيف يعانون .. رأيت إناسا يحبون الحياة

.. يفرحون رغم الفقر والحرب والمآسي .. عشت

معهم وشهدت هذا الزفاف الذي رأيتموه معي ..

تجولت في شوارع عاصمتهم وعرفت إنهم يستحقون

منا الإنتباه .. يستحقون أن ينظر لهم العالم ويمد

لهم يده من الضياع بعد سنوات من الحصار الخارجي

والداخلي .. أنظروا لهم وأعيروني أسماعكم لأنني

سأحكي لكم قصة ‏(س‏) وقصة وطن

كان معكم أنجيلا أليخاندرو سانشيز

سي إن إن الإخبارية

السودان

‏( تمت ‏)

حامد موسى بشير

مايو 2014

الفصل السابق

الإعلانات تدعم مجانية الروايات. الخصوصية