الفصل الثاني
تمشي هذه الحافلة الهوينة داخل شوارع مدينة بحري العريقة ..
حتى اتخذت من الطريق السريع مستقرا ومتاعا الى حين ..
واتجهت شمالا .. انها فارهة مريحة مكيفة بهواء بارد ..
وصمت الجميع كانهم في موكب جنائزي .. انهم يخيفونني ..
وبعد برهة .. بدأت التجاذبات الحديثية الجانبية .. بين كل راكب وجاره ..
وهي احاديث تقليدية .. تدور حول الطقس او حال البلد ..
وقد تبدا بانتقاد للسائق او الكمساري .. او حتى عن سيارة بالطريق ..
اما انافجاري رجل كبير في السن والذي يظهر انه من مواطني الارياف
من ملابسه ومظهره ..
وهو صامت جدا واحيانا تجتاحه غفوات وَسَن (نعاس) ..
وما يمنعه من مواصلة نومه .. ارتفاع صوت ام وبنتها .. في الكرسيين امامنا مباشرة ..
وصوت هذه المراة هو اعلى صوت على مستوى المسافرين ..
حتى ان الموضوع الذي يدور فيه النقاش اصبح معلوما بالضرورة ..
اما بنتها هذه الفتاة التي انا لا راها نسبة لارتفاع دعامة الظهر في الكرسي ..
من خلال النقاش .. فهي تدرس في الجامعة .. وتسكن في داخلية ..
وامها تلومها .. لماذا لاتسكن مع خالتها في كوبر ..
هذا مايدور فيه هذا النقاش الممل ..
ما لفت انتباهي في هذا النقاش .. ان البنت تحاول ان تهدئ امها ..
وتطلب منها ان تخفض صوتها ..
والام لاتزال ترفع مستوى صوت الضجيج ..
قالت الام لا .. لن اسكت .. حتى تخبريني عن السبب الذي
يجعلك تصرين على رفض السكن مع خالتك ..
قالت البنت هامسة .. يا امي زوج خالتي غريب عنا ..
وبيتهم ضيق .. فلن اجد معه راحتي .. ولن يجد راحته معي ..
وابن خالتي شاب .. ووالده موظف .. وامه معلمة .. وهما غالبا
خارج البيت .. فكيف اكون معه في البيت وحدي؟؟
يا امي ارجوك ان تغلقي باب النقاش في هذا الموضوع.
حقيقة لو كنت انا امها فلن افتح باب النقاش في الموضوع ..
فكلام هذه البنت يتسم بالمنطقية والعقل الراجح
حتى اسلوبها كان هادئا ورقيقا .. وصوتها مثل خشخشة قلم الرصاص على الورق .. ترسم به حسناء
في يدها غوائش..
ولكن الام جعلتني اتبسم حين قالت لها ..
اصبري حتى التقط انفاسي .. ولن اتركك لهذا العناد والاصرار على الراي ..
فقالت البنت ارجو من الله ان يخلو اي كرسي لاقوم من عندك .. واجلس فيه ..
والام تقول لها .. حتى لو قمت من عندي سنصل الى البيت .. ولن اتركك وشانك ..
بدأ صوت البنت منهكا تعبا .. وهي تتوسل امها لكي تصمت او تخفض صوتها ..
ولكن لافائدة واصيب الرجل الذي يجلس بجانبي بالضجر ..
وانا احسست بذلك فحاولت ان اشتت انتباهه فسالته عن صحته ..
وبدانا نتجاذب اطراف حديث سطحي باهت ..
بعد ان خرجنا من حدود الولاية .. بدأ جاري العزيز يتفقد اغراضه ..
فسالته فقال انه قد وصل الى وجهته .. في منطقة شمال الجيلي.
اوقف الحافلة ثم نزل .. ولم تصدق تلك الفتاة نزول ..
احد الراكبين فاخذت حقيبها وقامت وجاءت وجلست بجواري في المقعد الفارغ ..
فلما رأيت وجهها .. اقشعر جلدي. كانني اعرفها.. اشراقة الصباح في محياها .. وطعم العافية في
عيونها .. وحبات العرق على جبينها من الارهاق .. مع التكييف .. تدل على نعومتها ..
فسلمت وجلست..
ونظرت اليّ .. فاحست بدهشتي .. ثم قالت متبسمة هل تعرفني؟
قلت: لماذا تقولين هذا؟ ..
قالت: سلامك ونظراتك تدلان على المعرفة ..
قلت لها: لا اعتقد اني التقيت بك .. ولكني اعتقد ان وجهك مالوف ..
انزويت على نفسي في الكرسي .. ووجهت وجهي الى النافذة ..
فاخرجت من حقيتها كتاب وبدات تقرا فيه ..
استرقت النظر الى عنوان الكتاب ..
فعنوانه:
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ..
لابن قيم الجوزية ..
فقلت لها هذا الكتاب يقرأه اصحاب المصائب ..
لانه يختص بثواب الصبر ..
فقالت لي: بل وايضا يقرأه اصحاب النعم ليتعلموا الشكر.
في كل لحظة تدهشني هذه الفتاة .. بوعيها وادراكها وسرعة بديهتها ..
فتبسمت وقلت لها : هل انت تشكرين الله على امك ام تصبرين عليها؟
هي: لا والله اشكر الله في كل لحظة ان وهبني اماً مثلها ..
انها امراة قليلة في النساء .. حتى ارتفاع صوتها وضجتها ..
هذه دليل على حسن نواياها وطيبة قلبها ..
ولو علمت ماذا فعلت لي .. لو اني قبلت الارض تحت قدميها لما اوفيتها شئ ..
فقلت لها ماذا فعلت؟
فقالت الا يجب ان نتعارف على الاقل اولا؟ ..
فتعارفنا وتشرف كل منا بمعرفة الاخر وبدأت تسرد لي قصة ..
بطلتها الاساسية هذه الام ذات الضجة المجلجلة ..
واصلت قائلة ..
اسمي اسماء قمرالدين ..
اصولي من من قرية ..
التبيرة التي سأهب اليها اليوم في ريفي شندي لزواج ابن عمتي
صالح ..
فقاطعتها قائلا زواج صالح شقيق نزار؟ ..
قالت لي نعم وهل تعرف نزار؟
انا: انه زميلي وصديقي وهو الذي دعاني لهذا الزواج ..
سبحان الله نحن متوجهان الى نفس القرية ..
والى نفس الغرض ..
انه من فعل القدر ..
ثم قالت لي نزار ابن عمتي فان ابي له شقيق وشقيقة ..
فلي عم واحد وعمة واحدة ..
وانا واحدة عند امي وابي ..
لقد هجر ابي البلد وانا في سن الحادية عشر ..
خرج ابي ذات صباح ولم يعد ..
ولم نجد له اثرا لقد بحث اهله في كل فج عميق ..
وما تركوا تسيب ولا عسيب ..
ولا بادية ولاحاضرة الا قلبوها بحثاعنه ..
بغير جدوى ولا نتيجة ..
فتيتمت ولم يكن ابي قد مات ..
وترملت امي بغير عدة ..
فلاهي راته امام عينيها ميتا حتى تعتد لتتزوج غيره ..
ولاحيا ففارقها بطلاق لترى ماذا في حياتها بعده ..
فكل هذه السنوات ونحن نغزل الامال نسيجا ..
ونتخذ الانتظار ظلا من فيح هجير قد طال امده ..
تكلم الناس مع امي .. ان تحصل على الطلاق بالمحكمة ..
للغياب فابت وكان ترد في كل مرة ..
اذا كان والد بنتي على قيد الحياة .. وجاء ووجدني في عصمة رجل غيره ..
ماذا افعل من العار ..؟ وكيف تكون مشاعر بنتي؟ وهي تتربى
في احضان رجل غير ابيها؟؟ ..
بنتي هي امي .. وزوجي .. وولدي .. وحبيبتي .. ساعيش من اجل
بنتي فقط .. واعمل على تربيتها وتعليمها ..
حتى يعود ابوها .. فيجدني قد اديت الامانة .. واحسنت في بنته ..
كلمات قالتها وانا صغيرة ولايزال صداها يتردد في اذني ..
ومنذ ذلك الحين .. وهي تكابد المشاق .. وتكسب لقمة العيش لي ولها ..
وبدات ذلك ببيع الخبز المحشو بالبيض لاطفال المدارس ..
وما وصلت اليه الان من التعليم والتربية ..
فامي كانت تلعب فيه دور الاب والام ..
وحينما اتذكر ابي واغضب واقول لماذا تركنا ابي ..
ترد علي امي وتقول .. (الغائب عذره معه) ..
صمتت اسماء كانما اعترضتها غصة ..
ثم قالت ..
هذه باختصار قصة امي معي ..
الظاهر. اسماء لم تستطع
المواصلة ..
كانت تحكي وترسم على وجهها ملامح المشاعر كاملة .. مما يدل على الصدق ..
قتعبس احيانا فتجمع جفونها حول عينيها الواسعتين ..
وتتبسم فيعلوهما البريق ..
وعندما تحكي عن موقف فيه حزن ..
كانت عيونها تمتلئ بالدموع لكنها لاتسقط ..
كانها لاتحبذ الانهيار .. فهي متماسكة كالفولاذ ..
فحزنها عميق .. ولكنها لم تبدى لي منه الا نذراً يسيراً ..
.. قلت ..
وتنهدت نفسا يفيض بحزنها .. لكنها تأبى على اظهاره ..
والنور يسطع بالضياء بووجها. .. والنور ياخذنا بنور نهاره ..
وتبسمت ابدت بريق عوارض .. كالثلج او كالموج في انهاره ..
هي درة ندر الوجود بمثلها .. .. والهم يحملها على اظفاره ..
هل ياترى جاد الزمان بوردتي .. ام ان قلبي يصطلي في ناره ..
❖
اصبحت اوسوس في قلبي .. فقد ادهشتني هذه الفتاة بروعتها ..
ولكن ياترى هل هذا عشق حقيقي .. ام انه مجرد اعجاب ودهشة ..
اما هي لاتعيرني كتير انتباه ..
ولكني سقطت فقد ارتفعت ضربات قلبي .. حينما التفتت كالتفاتة الظبا .. وقالت لي بصوتدفء
ومودة ...
ياسر؟
قلت لها نعم يا اسماء ..
احببت ان اقول لك شيئاً فربما لانلتقي مرة اخرى فقد اوشكنا على الوصول ..
قلت لها قولي ..
قالت لي اشعر ان قلبي يخبرني انك لست مجرد ..
رجل التقي معه في هذا الظرف ..
فانت اكثر من ذلك انا اشعر بهذا ..
فقلت لها ان قلبك دليلك وما يخبرك به هو الواقع فعلا ..
اما انا وما يحدث بداخلي يعلم به الله ..
وصلت الحافلة الى شندي .. ونزلنا ودعوتها وامها لتناول الافطار ..
فاجابتا .. كانت طيلة هذه الفترة تنظر الى كلما ..
انشغل بشي .. ثم انتبه لها اجدها تمعن النظر الي ..
فاذا انتبهت الى رايتها تلتفت الى جهة اخرى ..
اظن ان الفتاة قد علقت .. لا. لا اظن ذلك اني اعتد بنفسي كثيرا ..
وما ادراني ان ذلك تعلق ..
قالت الام شاقة صمت الاكل .. يا اسماء مالك تنظرين اليه هكذا ..
اظنك وقعت اخيرا يا مغرورة ..
فتبسمت وطأطات رأسها ..
هنا علمت ماذا يجري .. السؤال الجري من الام البريئة .. كشف الامر ..
وصرت متأكدا بمالايدع فرصة للشك .. انها سقطت ..
انتهينا من افطارنا .. وتوجهنا الى وسيلة توصلنا الى القرية .. وكانت جاهزة
ركبنا ووصلنا والحمد لله ..