الفصل الرابع
استقر بي الراي ان اخبر امي .. فهي التي تعطيني الراي السديد ..
ولن اعدم وصاياها .. اما اذا رفضت فساتعب لاقنعها..
وصلت البيت ..
وجلست مع امي ..
واخبرتها كل القصة بالتفصيل الممل ..
وكان ذلك بحضور اختي نجوى..
فليس لي في الدنيا سواهما ..
امي بالنسبة الي قديسة مبجلة .. واختي كانها عيوني ..
سكتت امي طويلا ثم قالت لي وما رايك انت؟؟ ..
هل ستبحث حقا عن هذا الرجل الغائب؟ ..
قلت لها نعم ..
قالت لي فعلا انك ابني. .. متفائل وواثق من نفسك ..
انا معجبة يا ابني من شخصيتك ..
وانا ايضا راي ان تقلب الارض .. تبحث عن والد هذه الفتاة ..
فلاتتخلى عن حبك الاول ابدا ..
اولا البحث اذا وفقك الله. فيه انقاذ لحياة الفتاة ولم شملها بوالدها ..
وفيه حصولك علىها ..
وانا كنت معجبة بابيك رحمه الله .. لانه كان واثقا متفائلا عنيدا ..
مصرا علي وتحدى كل الصعاب حتى حصل علي ..
اذهب ومششط الارض تمشيطاً .. وفقك الله وايدك
فان وجدته ظفرت بمرادك.. وان لم تجده فقد فعلت مابوسعك ..
❖
يا الله يا الله يا الله عليك يا امي ..
والله لقد افرحني كلامك فرحا قوى عزيمتي .. واعظم اصراري..
هيا يا امي جهزو لي عدتي لسفر طويل ..
قالت لي امي: ولن اسالك الى اين تتوجه ..
فقط من كل فترة الى الاخرى طمنا على نفسك بالهاتف ..
فركعت ركعتي الاستخارة وسالت الله ان يهديني الى سواء السبيل ..
واول ماخرجت قابلني جار لنا وسالني الى اين اسافر ..
فقلت له الى مدني ..
ولا اعلم لماذا قلت له الى مدني ..
وفعلا سافرت الى مدني.. لا لسبب بل لان الله اجرى الكلمة على لساني..
لما وصلت الى مدينة الجمال ود مدني .. احسست انني اقترب من هدفي ..
ولكن ليس لي مكان اذهب اليه.. فلا اعرف احدا في هذه المدينة ..
فذهبت مباشرة الى مركز الشرطة .. فسالت عن الضابط المناوب.
فدلوني عليه اسمه عبد الباسط.
سلمت عليه. ورد علي السلام بكل جدية.
وسالني ماذا اريد؟
فقلت له: عندي شكوى كبيرة .. ولا اريد ان افتح فيها بلاغ ...
فتبسم وقال: لي غريبة. هل تريد ان تشكو لي زوجتي مثلا"؟ ام ماذا.؟
فقلت له: امر قريب من هذا .. فالامر سري جدا .. وانا لست بمستعجل
فسانتظرك حتى تخلص ممافي يدك من العمل ..
قال لي: انتظر اذاً
فانتظرت زهاء الساعة ونفض يديه وقال لي: يظهر عليك الاحترام والصدق ..
انا متفرغ لك الان ماذا تريد .. ؟؟
قلت له: سالت من الضابط المناوب فلما رايتك توسمت فيك الخير ..
ساخبرك بالامر ولكن ليس الان ..
الان انا مقطوع سبيل ..
حينما جئت الى هذه المدينة ليس لي فيها معارف ..
فاريدك ان تستضيفني يومين.. كضيف لاعلاقة له باعمال الشرطة ..
فان قبلتني فبها .. والا فسابحث عن مأوى اخر ..
فقال لي نحن نسكن في سكن رجالي .. ليس لنا فيه عوائل ..
فاكرامك قد يكون فيه تقصير منا ..
فقلت له لا عليك .. فهي حياة اعرفها جيدا .. وساكون سعيدا برفقتكم ..
فكلف احد الأفراد. ان يذهب بي الى الميز..
فذهب الى ميز الشرطة وحططت رحلي ..
فما امسى المساء جاؤا الى راحتهم ..
فجاء عبد الباسط ومعه اتنين من العسكر الشرطي ..
وقال لي احكي يا ضيفنا العزيز ..
قلت له انني ابحث عن غائب .. كذا وكذا وحكيت له القصة بحذافيرها..
وقلت له لا اطلب منك الا المساعدة.. في استعادة الرجل الذي عليه
تتوقف حياة امراة وبنتها وحياتي ايضا ...
فقال لي الضابط عبد الباسط:
مادام انك ظننت فينا الخير فان شاء الله لن نقصر في مساعدتك بقدر الاستطاعة
فلما اصبح الصباح كلف عبد الباسط اثنين من رجال الشرطة
ليركبوا السيارة ويسالوا في انحاء مدينة ود مدني
فركبت معهم وبدأنا نسال ونحن نعرض الصورة على كل من نساله
فلم نجد من يدلنا على الرجل الغائب فرجعنا قريبا من العصر ونحن نجر اذيال الخيبة
فلما وصلنا الى عبد الباسط نظر الي فوجد الحزن والاحباط باديان على وجهي
فقال لي لاتفتر همتك ايهاالوفي غدا ستكون جولة اخرى
فاستبشرت خيرا ووجدت املا وكبر هذا الضابط في عيني ...
اذا سمعتم بخيانة الشرطة ورشاويهم وسمعتهم السيئة في شتى بقاع الدنيا
فان رجال الشرطة في مدني قد زرعوا في قلبي الثقة واحسست ان بلادي
تختلف عن كل الدنيا والرجال فيها رجال مواقف ان كانوا في الشرطة او في السوق
وغدا بدانا جولة اخرى نجوب المدينة ونمشطها تمشيطا ماتركنا احدا
حتى بائعات التسالي (نوع من المقبلات)
في اثناء تجوالنا وجدنا رجلا اخذ منا الصورة ونظر اليها جيدا ثم قال
والله هذا الرجل رايته في مكان لوقت قريب ثم بدا يمسح قفاه ويمسح على راسه ليتذكر اين راه
فقال لقد رايت هذا الرجل الاسبوع الماضي في برتسودان نعم .. نعم ..
هو نفسه .. انا متاكد ..
قلنا له هل تتذكر اين رايته في بورسودان بالضبط؟
فقال على ما اذكر قابلني في الطريق يحمل كفتيرة شاي وشربت منه كاسا
فاسبشرنا غاية الاستبشار لهذه النتيجة الرهيبة
ثم رجعنا الى عبد الباسط وبشرناه ففرح هذا الرجل فرحا عظيما بدا على وجهه
ثم قال لي احزم امتعتك ساكتب لك الى زميلي بابكر في بورتسودان ضابط الشرطة هناك مع ان بابكر
ضابط في الجمارك ولكنه سيساعدك فانه رجل السراء والضراء
فكتب لي مكتوبا فحملته وسافرت
هيا معي الى ميناء السودان الحبيب
وصلت الى بورتسودان والامال تملا قلبي وتفيض من انفاسي
فتوجهت مباشرة الى الرجل الفاضل بابكر ضابط الشرطة واعطيته المكتوب
فقراه وتبسم ومباشرة نادي على اثنين من المناوبين في الدريات
وركبوا وركبت معهم وبدأنا نجوب انحاء المدينة فكانوا يذهبون الى اماكن
التجمعات التي فيها اصدقاء لهم فقد رايت تلاحما غريبا بين افراد الشرطة
والمجتمع في هذه المدينة.
وكانوا يعرضون الصورة على اصدقاهم
وفجاة قابلنا من قال اني رايت هذا الرجل بالامس
يحمل كفتيرة الشاي والكاسات وهو يتجول يبع الشاي
وستجدونه الان في مكان كذا تحت الشجرة
ثم ذهبنا مباشرة الى ذلك المكان. وقبل ان نصل قابلنا رجلا ملتحي
شكله مالوف لدي. يحمل كفتيرة شاي لامعة وكاسات نظيفة تعكس شعاع
الشمس فلما دققت فيه النظر فاذا هو صاحب الصورة
فصرخت في مكاني انه هو انه هو
بصراحة من شدة التسهيل في وجود هذا الرجل والتسخير الالهي
احسست ان الله يريدني ان اجده انا ولايجده احد غيري ..
فكمية اليأس والتردد التي اشعرني بها نزار ..
كانت اكبر بكثير من تعبي في البحث ..
سبحان ربي .. لابد ان الامر فيه سر ..
فاوقفته وطلبت منه الشاي فتقدم الى ظل لبيت عالي وجلس في الظل وانا اتبعه
وصب لي الشاي وقال لي: الشجرة امامك فلماذا تصر على الشاي مني
فقلت له اعجبتني هذه الكفتيرة النظيفة والكاسات اللامعة
اضافة الى ان وجهك يدل على انك من بلدي
فقال لي واين بلدك؟
فقلت له اسكن سوبا ولكن اصلا من ريفي شندي
فقال لي لا لا انا من بعيد (ووجهه يخبرني انه كاذب)
فقلت له على كل حال انا اطمأنت نفسي اليك وانا غريب في هذه البلاد
ولا اعرف مكان سكن وجئت في مأمورية ..
وبعد تردد واسئلة
قال لي ليس هنالك مشكلة ستسكن معي في البيت حتى تقضي مأموريتك وتسافر
فقلت في نفسي الحمد لله الامور تيسرت جدا
فقلت له ستنتظرني في الشجرة حتى اقضي مامورياتي واتيك ام انك ستذهب معي
فقال لي: لا .. سانتظرك .. وصراحة انا اريد ان اذهب لاشكر الضابط بابكر
واخاف ان اذهب فارجع ولا اجد صاحبي الهارب ..
المهم انني توكلت على الله وذهبت الى المسجد وصليت ركعتين شكر لله
ثم توجهت الى مركز الشرطة ووجدت الضابط بابكر فلما رآني تبسم وقال لي ..
اين صاحبك؟ لقد اخبروني انك وجدته الحمد لله
فقلت له تركته في الشجرة..
فقال لي لاحول ولاقوة الا بالله .. افرض انك ذهبت ولم تجده كيف تترك رجلا هرب من بنته وزوجته
وتظن انه لايهرب منك
هذا رجل متعود على الهروب
فقلت له: ان الله الذي جمعني به سيجمعني به مرة اخرى انامتوكل على الله ..
ثم انني وثقت فيه رغم كل ما اعلمه عنه فلا ادري لماذا
فقد جئت لاشكرك على ماقمت به معي فجزاك الله خيرا
فقال لي خيرا .. فقد قمنا بالواجب فاذهب بسرعة والحق به هذا ان وجدته