الجزء 23
صرخَات , إنتفاضُ أجساد من مشهَد سقُوط تِلك الصبيّة غارِقةً في دمائِها , خالِد الذِي حاصرتهُ الشُرطة أثناء هرُوبه , صالِح الذي خرَج خلف خالِد بعد أن أُلقِي القبضَ عليه , ألقى بِمسدّسه ودفعهُ نَحو رِجال الشُرطة ؛ وإقتربَ إليهم مُستسلِماً , يمُدّ يديِه ليُحيط بِها الحديد ؛ غير عابئاً بِتلك الصبيّة التِي إخترقت رُصاصتهُ جسدها الهزِيل.. يكفِي أن إنتقامهُ إكتمَل.. يكفِي أن يُزجّ بِهذا المُجرم الذِي حرَم عيناه من رؤية طِفلته.. الذي حرَم قلبهُ من حبّه الذي دامَ 7 سنواتٍ فقط..
السُرّه فاقدةً وَعيها في الداخل ؛ سلِيم الذِي رمَى بِنفسه إلى داخل المسرَح ؛ صاح ما إن رآها : شهَد !!
بعد مرُور ساعَتين /
يخرُج الطبيب إليهم
يهرعُون إليه
الطَبيب : الحمدلله.. إستقرّ النبض
تخرّ تقوى ساجِدة , باكيَة
تصِيح سارّه : ياربّي لك الحمد , يالطيف لك الحمد , يارحيم لك الحمد ؛ الحمدلله
يلهَج لِسان السُرّه بالحَمد دونَ أن تُصدر صوتاً , فقَد ذهَب جُزءٌ مِنها مع عَربة الشُرطة
فِي جهةٍ أُخرى /
بِقسم الشُرطة :
سليم : كِيف يعني.. إنتَ مُتأكّد من إنُّو دا المُجرم الضرَب شهد بالنّار ؟ عمّ أحمد البواب ؟؟
الشُرطي : أيوَه يا إبني , وما إسمو أحمَد أوراقُو دي مُزيّفَة , إسمو الحقيقي صالح الرّشيد , شُرطي سابِق , ولو سمحتَ ما تشغلنا أكتر من كِدا
يُحيط رأسهُ الذي تأكلهُ الحِيرة ..
ينطِق : طيّب.. بالنسبة لأبوي ؟
الشُرطي : حيتعرِض على المحكمَة الأسبُوع الجايّ إن شاء الله
سليم : بقدَر أعيِّن ليهُو مُحامِي ؟
الشُرطي : أكِيد
سليم : طيّب.. عمّ أح, قصدي صالِح الرشيد ؛ عقوبتُو كَم؟
الشُرطِي : برضُو لمّن يتعرض على المحكمَة حتعرِف , أمّا بالنسبة لقضيّة البِت فَ على حسب ؛ لو ماتَت..
يُقاطعه صارِخاً : شهَد !!
يُهروِل مُبتعِداً , يُخرج هاتفُه ويتّصل بِتقوى
تُجيبه بصوتها المُرهَق : ألو
سليم : تقوى ! قولي لَي إنو شهَد بخير ياتقوى !
تقوى : شهَد بِخير ياسليم.. عاشَت
يضحَك من بين دمُوعِه.. يُجهِش دمعاً وضحَكات
__
في جهةٍ أُخرى /
بمنزِل سوسَن :
تحتضنها رِيم , بينمَا تُمسِك ملاذ بكفّها
تنُوح بصوتٍ بدأَ يختفي
سوسَن : بس يابهجَة , عليك الله ماتعملي في رُوحِك كدا
تذرِف دموعها : أريتُو بِكفّي ! أريتُو بكفيني البعملو في روحي , كل البسويهو في روحي شويّة كلُّو شوية ؛ عايشَة مع مُجرِم يا ناس ! عُمري كلُّو عايشاهُو مع مُجرِم !
سوسن : إستغفري عليك الله , لسّه ماف شِي أكيد
رِيم : لا حولَ ولا قوّة إلا بالله
يأتِي إليهم هشام بعد أن أنهَى مُكالمتهُ
ملاذ : أها ؛ سليم قالِّيك شنو !
هشام : عمّي خالد حيتحوّل للمحكمَة الأسبُوع الجايّ
تُحيط بهجَة رأسها : كُرعليّ.. كُر على سنيني.. كُرعليّ
تتنهَّد سوسن : طيّب ؛ شهَد بِقَت كيف ؟!
هشام : الحمدلله.. حالتها إستقرَّت
تزفُر ريم : الحمدلله
ملاذ : الحمدلله.. والله منظرها والدَم نازِل ومالي فُستانها يقطّع القلب
هشام : وكأنُّو مفاجآت اليوم دا ماكفاية.. طلَع عمّ أحمد البواب هُو المُجرِم
سوسن : أجِي !
رِيم : كِيف !
ملاذ : عمّ أحمد البواب حق ناس خالتُو بهجَة ؟!
هشام : آي واللهِ.. إستلمُو الصدمَة الكبيرة ؛ هُو أبو شهَد
تُفتَح أعينهم مشدُوهةً على إتّساعها !
في جهةٍ أُخرى /
تتشبّث بِكفّ جدّتها مُنذ أن أفاقَت..
تُربِّت تقوَى على خُصل شعرها بهدوء في الطرف الآخر , بينمَا تقرأ سارّه القرآن
تنطِق بصوتها المُرهَق : حبوبة.. وينُو أبُوي
تُخبّئ السُرّه دَمعها : سلَّم نفسُو يابتِّي
تسُقط دمعة هادِئة من إحدى عينيها : قولّيهُو إنِي إتقتلتَ تاني لكن ما مُت.. ناديهُو ياحبوبة
تبكِي تقوى
تذرف السُرّه دمعها الذِي يغلِي من حُرقة الشوق والفِقد : حاضِر.. حاضر حناديهُو
مُنتصَف الليل.. في ظُلمة الطريق الخالِي تَسير ؛ لا تقوَى قدماها على السير لِمسافاتٍ طويلة , لكنّها آتية لرؤية إبنها الذِي خرَج مُنذ تِسعة عَشر عاماً ولَم يعُد؛ إبنها الذِي أعادتهُ لهَا الأيّام كمَا سلبتهَا إيّاه ؛ "ولا تخافي ولاتحزنِي إنّا رادُّوه إليك" لطالمَا تشبّثت بِتلك الآية كَطوق نجاةٍ أخِير.. كُلّما إستحالَت الطُرق , وإستعصَى المنطق ؛ تتمسِّك بِها وتستعيد الأمَل
تدخُل إلى قِسم الشُرطة الذِي كان شُرطياً فيه , الآن هوَ سجينٌ فيه , إلى أيّ حدٍ سيسخَر هذا القدَر مِنَّا بعد ؟
تطلُب أن تراه.. يقُودها حارِس الزِنزانة إليه
يرتجِف قلبها طُول الطريق.. ما إن تُفتَح الزِنزانة , وتراهُ أمامها , مُستلقياً على الأرض , ظهرُه إليها ووجههُ إلى الجِدار , تدخُل بخطواتها التي أصبحَت ثقيلةً فجأة , تُنادِيه : صالِح
لا يُجيب
تنحِني وتهّزه
يمِيل جسدهُ الهزيل إليها , مُغمضاً عينيه.. والدّم يتسرّب مِن مِعصمِه بهدوء
تصرُخ.. صرخةً إرتعَد المكان لهَا
صباح اليوم التالِي /
جالسةً بزيّ المُستشفَى أمام سريرِه ؛ تتامَّل تجاعيدهُ المُتعَبة
, كَم أن العُمر يرسُم في تُرابِ الوجهِ أحزانَ السنين ؟ كَم أنّ الأيام تقسُو على مَن ليس لديهِ من يحنُو عَليه؟ أبِي.. أنتَ قِبالتي الآن ؛ كَكُل الحقائق التِي في العالم , كأكبَر التحديّات التِي في العالَم.. تخطّيتَ تِسعة عشر عاماً من الحُزن لألقاكَ وألتقِيك.. تخطّيتَ إنتحاراً في زنزانة سجنٍ مُظلمة كانَت ظُلمتها كفيلة بأن تُميتَك , لكنّك لَم تمُت , وأنا لم أمُت
يفتَح عينيهِ المُتعبة , يُقطّب حاجبيه من وجُود صبيّة تُمسِك بكفِّه.. يُقطّبهما أكثَر وهوَ يتذكّر أنها تِلك الصبية التِي أصابها عن طَريق الخطأ
تبتسِم بأعينٍ دامِعة : أبُوي
تزداد ملامحهُ إستنكاراً
تبكِي : أبُوي أنا شهَد
لا يُبدي أي تفهُّماً
تنهَض وتُزيح رِداء المُستشفَى عن ظهرها , لِتظهر تِلك الوحمَة التِي إنتقلَت من ظهر والدتها إليها , تِلك الوحمَة الغريبة, تنظُر إلى ملامحه التي لا تُفسَّر.. بكاءٌ أم إستنكَار , أهذِه إبتسامة؟ فوضَى مشاعر لا يستطيع وجهٌ واحِد أن يحمِلها
يصِيح باكياً كمَن ماتَت الخيبات في صدرِه ولم يبُح بِها
تتأمّلهُ بأعينٍ ترقرَق الدمعُ فيها
يخرُج صوت بُكاءه موجوعاً , يصيح : هِند..
ترتمِي شهَد إلى حُضنِه , يعتصرها إليه بِشدَّة , تبكِي , ويصيح هوَ باسم هِند
.. بعد مرُور عَام ..
بمنزِل السُرّة :
في الحُوش الفسَيح , تراصّت السرايِر وتوسطتهُم صينيّة الشَاي..
السُرّه : ودّ إبراهيم دا وينُو يخوانِي
سارّه : صالِح الصغيّر ؟ مع صالح الكبير ياخالتِي مشُو الدُكّان
السُرّه : أجي صالِح مرَق ؟ والشّاي دا ساوينُّو لمنو ؟
يأتِي محمّد من أقصَى الحُوش : وأنا خلّيت شراب الشاي ولا شنو ياربِّي
السُرّه : شاهِيك قاعد إنتَ المافِيش
يقترِب إليهم ويجلس : كُنتَ بتكلّم مع إبراهيم.. الدُكّان إتباع خلاص
سارّه : بركَة.. ماجاب لينا المشاكل والهَمّ غيرو
السُرّه : الحمدلله , ربّنا يعوّضنا فيهُو ؛ ياتقوَى , تقوَى
تقوَى من داخل المنزِل : أيوَه ياحبُوبة
السُرّه : تعالي يابتّ نادي جِدِّك لي شراب الشاي
تقوى : حاضِر ياحبوبة بس دقايق الكرِيم ينشَف وبطلَع
السُره : يابِت تعالي منسلّه ماتخليني أدعِّيك مع الأذان
تتأفّف وتخرُج : تنتهِي الإجازة دِي بس ؛ تانِي كان ما إتخرّجت مابورّيكم وشِّي
السُرّه : كان إتخرّجتي طوييل بنودِّيك بيت راجلِك , مقعدنِّك نسوي بيك شنُو
تفتَح باب غُرفة جدّها : ياجدُّو , تعال شُوف مرَتَك دِي
يضَع الرشِيد نوَى التمر الذي يُسبِّح بهِ جانباً : مالا معاك
تقوى : دايره تعرّس لَي
الرشيد : مالُو العرس ؟
تقوى : إنتَ ليك كم سنة معرِّس ؟ مُرتاح ؟
الرشيد : واللهِ هو مؤسسة مانافعة ونحنا الحمدلله إتدبّسنا فيها
السُرّه مِن الخارج : سامعاك يا الرّشيد
تضحَك تقوَى
في الغُرفَة المُجاوِرة , تجلس شهَد ؛ تُمسِك بيدها قلماً وتُدِّون :
" كانَ إختفاء الخاتِم في المُستشفَى الذي إلتقيتُ فيه أبِي مقصُوداً .. لَم يكُن مُصادفَة , خاتَم وليد الذي إحتفظتُ بهِ شهوراً طويلة إختفَى لأرَى النِهايات من زاويةٍ أُخرى ؛ زاوية أكثَر وضوحاً , لَم يكُن التحدّي في كَم سأذرِف من الدمع بعدهُ.. بَل كان التحدّي في الصبر ؛ تأخّرتُ مرةً عن قَول "بحبَّك" لأحدهم , فأخذتهُ سيّارة طائشَة , وفارَقني , فكَان التحدّي هل ستتأخّرين ثانيةً ؟ لَم أتأخَّر.. أتانِي حُبّك كالإنقاذ ولَم أرفَض أن أنجُو بِك.. صالحتُ بكَ الدُنيا , أصبحَ الإنتظار ماضٍ , ووجدتُ مفتاح أبوابِي المُغلقة في عَينَيك ؛ وأنا سعيدةً.. بَل مُمتنّة , لأن من جعَل من إكتمال هذِه العائلة مُجدداً.. أمراً مُمكِناً , سينضمّ إلينا هذِه الليلة.. أنتظُر دِبلتك وعلى طرْف فَمِي القبُول.. بحبَّك. "
في جهةٍ أُخرى /
يحزِم أمتعتهُ ويتّجِه إلى أسفَل السُلّم , تتلقّاه والدتهُ بِوجهها البشُوش ؛ مُتأهِّبةً للخروج
بهجَة : اللهُ أكبر الله أكبَر , أقعُد حبيبي أحصِّنَك
سليم : حصنيني في السِكّة يا بهجَة !
بهجة : أسمَع الكلام , أقعُد
يجلِس
تضَع كفّها أعلى رأسه وتُتَمتِم
يتنبّه إلى صندوق الطعام أعلَى الطاوِلة : شايلين معانا أكِل ولا شنو ؟
تنفُث عَليه وتمسَح جسدهُ : لا حبيبي , دا لي أبُوك
سليم : حتزوريهُو الليلة برضُو ؟
بهجَة : عشان أوّدعو بَس قُبّال ما نسافِر
ينهَض ويُقبِّل رأسها بِعُمق : الله يرزقنِي بوحدَة تحبّني زيّ مابتحبّي أبُوي
تبتسِم : خلِّيت شهد يعني ؟
يحمِل حقيبتهُ : لالا وِين.. دي لو بتكرهنِي عديل مابخلّيها ؛ بحبّها يا أُمِّي
تضحَك : الله يتمَّ ليكم بالخير حبيب أُمَّك
سليم : يارَب
في جهةٍ أُخرى /
بمنزِل سوسَن :
على الفِراش الأبيَض المُبعثَر , تتوسَّد تِلك الجميلة النائمة نعُومته وتغُطّ في أحلامٍ عميقة , بينمَا أفاق هُو مُنذ دقيقتِين وبدأ بتأمُّل ملامحها الرقيقَة , عدَا عيناها حيثُ يُحيط بِهما غطاءُ نومٍ أسوَد , تتمشّى أصابعهُ على خدّها الطفُوليّ , يهمِس : رِيم
تتحرّك بِخفّة
يبتسِم بينمَا تتمشى أصابعهُ فوق خدها بِخفّة
تُفيق , تر
فَع غطاء النوم عن عينيها , تبتسِم ما إن تراه : صباح الخِير
هشام : صباح النُور , ممكن ماتلبسِي الحاجة دِي تاني ؟
ريم : لِيه ؟
هشام : عايز أتفرّج على عيونِك وإنتي نايمة ياخ !
تضحَك : حاضر ؛ على الرّغم من إني ما تُحفة جايبها تتفرّج عليها ؛ لكن حاضِر
تُبعِد الغطاء وتهمّ بالنهوض
هشام : وِين وِين !
ريم : قايمَة ياهشام ؛ الساعة ماشّه على 4 وإحنا عندنا سفَر وخطُوبة بلّيل , إنتَ ناسي ولا شنُو ؟
يسحبها من كفّها إلى دِفء حُضنه : ماناسِي ولا حاجَة , بس خمسَة دقايق كِدا مابتضُرّ
تضحَك : حَبيبي, الوقِت ما فِي صفّنا
يكاد ينطِق , فيُقاطعهُ صوت طرق الباب
ملاذ : يا عباد الله, أصحُو يابشَر ؛ يا أُمي الإتنين ديل أكبر غلط عملناهُو إننا عرّسناهم لي بعَض , هُم من قبل العِرس ما بيفترقُو , نقوم نختّهم في أُوضة وحدة كمَان !
تضحَك رِيم
هشام : الوقِت في صفّنا لكن أقولِّيك منو المافِي صفّنا ؟ الشافعَة دي , يرفع نبرة صوته : شويّة خصوصية عليكُم الله شويّة خصوصية
ملاذ من خلف الباب : خصوصية شنو ضحكاتكم امبارح سامعاها حميتوني النُوم , تاني وقسماً بالله تغفّلوني وتحضرو فِلم براكم ما أخلِّيكم
تنهَض ريم وتفتَح الباب : أدخلُي تمِّي الردح جوّه , مادايرين سواد وَش أكتر مع خالتو سوسَن
تدخُل إلى أوسَط الغُرفة : بِعتَ الشاي حقِّي يا هشام ؟
ينهَض لِيحمل مِنشفته : بِعتِك إنتي زاتك ماتأفلمِي ساي
ملاذ : شُوف الحيوان !
تفتَح ريم خِزانة الملابس : معليش ياملاذ , بُكرا إنتي زاتِك تعرِّسي وتبيعيهُو
تقفز إلى أوسط السرير بِضجر : أعرِّس شنو بَس ؛ رائد زعلان منّي ليهُو يومين
ريم : مالكُم ياكافي البلَا , هُو مش جاي الخطوبة بعدين؟
ملاذ : آي
ريم : خلاص ؛ صالحيهُو هِناك
ملاذ : أيوَة ما أنا حصالحُو , السؤال : أصالحُو كِيف ؟
يصِيح هِشام من داخِل الحمام : رِيم
رِيم : أيوَه يا هشام
هشام : ناولِيني مكنة الحِلاقة
ملاذ : أجِي ! حتدخلُي على أُخوي الحمام !
ريم بِضحكة : على فِكرة , هُو راجلِي
ملاذ : قِلَّة أدب
تستلِم آلة الحِلاقة وتطرُق باب الحمام : يابِت وين قلّة الأدب في الموضوع , هدَا أديتُو ليها بدون ما أعايِن
ملاذ : لا أخِير تعايني
تستلِم الحقيبة من الخِزانة : غايتُو
بمنزِل السُرّه /
تضَع الهاتِف بين كتِفها وأُذنها وتسِير نَحو الأزيار : يا بركات الأحياء والأموات إتخطبُو وإحنا لسّه قاعدِين ؛ حتجِي متين من السفَر ؟
بركات : مُش براك الدبّرتي لي الفيزا عشان أسافِر ؟ مالِك هسّي
تقوى : أعمَل شنو يابركات للضرورة أحكام , بعدين بالمناسبة بِعنا الدُكان , يعني كان إنتَ هسّي قاعِد عاطِل لا شغلَه ولا مشغلَه
بركات : الحمدلله.. أنا ياستّي عملت قِرشين بسترونا , حَ أجي وأشغّلهم ولينا رَب
تقوى : آي عليك الله تعال , لأبوها من قرُوش
بركات : الحلُو إشتاق ولا شنُو ؟
تقوى : ماتصدّق نفسَك سريع
بركات : طيّب دايرَة شنُو أجيبو ليك معاي ؟
تضَع خُرطوم الماء تحت الشجرَة وتجلِس : هُو أنا بتكفّيني شوفتَك راجع سالِم.. لكن مافِي مانع تجيب لَي معاك شويّة حاجات كِدا
بركات : إتدلّعي ياستِي, عايزَة شنُو ؟
مساءاً /
يُطرَق الباب , ترتخِي ملامحها المُتوتّرة ما إن تراه ؛ تنهَض حامِلةً أطراف فُستانها الأبيَض , يُشرِّع ذراعيه لهَا , ترتمِي بين أضلعِه , يحتضنها إلِيه
صالِح مُربّتاً على شعرها النائِم على بياض الفُستان بِسوادِه المُعتِم : مكتُوب في قدري أشُوفك بالفرحَة دِي , وأفرحها معاك ؛ الحمدلله
تُغمض عينيها بِسعادة : الحمدلله
تأتِي إليهم تقوَى : عمّي صالح , شهَد ؛ يلا !
تضَع يدَها داخِل ذراعهُ , تمشِي بِجواره بملامح لا تهَاب تفاصيل الحياة العسيرة مادامَت هذه اليد مُمسِكةً بِها ..
يمدّ ذلك الوسيم كفّه لِيستلم كفّها الرقيق , يُجلِسها بِجوارِه
تفتَح تقوى عُلبة الدِبل , يستلمها , يُحيط يميِنها.. وقلبها ؛ بدِبلته ؛ فتُحيط أيامهُ بالسّعادة بِدبلتها في يمينِه
يبتسِم ويُخرِج ذلك الكِتاب بغتةً.. ذلك الكِتاب الذِي إنقلب حفلُ إصدارهُ لِمأتَم.. يمُدّه لها مُبتسماً , تستلمهُ بنظراتٍ مُندهِشة !
تتحسّس ذلك الغِلاف.. ذلك التعب الذِي بذلُوه , تِلك الأوراق الكثيرة التِي أعادُو كِتابتها مِراراً , ودققّوها حتّى حفِظو ما بِها من أحرُف , تبتسِم وهيَ تتذكّر ذلك الوقِح الذي حاول نبش الحُفرة التِي تُخبّئ فيها كتاباتها , ها هُو الآن يُسلّمها عمَلها الأوّل .. تنظُر إليه بأعيُن دامِعة : سليم.. أنا بحبَّك
يهمِس لها : بحبِّك
تقوَى : بَس ماتقُول لينا إنو دِي الشبكة
سليم بِضحكة : أيوه فِعلاً عِرفتي كيف ؟
تقوى : بَس ياسليم جوّ الرومانسيّات دا ما بينفَع معانا , أطلَع بالشبكَة
يبتسِم ويُخرج الشبكَة
يُلبسها إيّاها .. ينمَا تقرأ هيَ مُقدّمة الكِتاب
" من هنُا تماماً تبدأ حكايتي , من أزهار البنفسج الأنيقَة.. المنثُورة على فُستان أُمِّي.. أمي الجميلة حَدّ الدهشَة, السهلَة كما الرُوح , القريبَة كاليقين.. وال
عاليَة كالجنّة ؛ من جنّة الفردوس التي أسقطَت من فيها إلى قاعٍ ليسَ لهُ قرار.. من هُنا تبدأُ الحِكاية , وتروِي نفسها عبرَ صفحاتٍ مُظلِمَة , عُنوانها العتمَة , أسير بين أسطُرها وحيدة ؛ فقط ظلٌ طفيفٌ يُؤانس وحشتي.. ظلٌ قادم من أقصَى الجنّة ؛ عاكِساً طريقها : بِـدرجَة خافتَة من البنفسَج .
" تمَّت بِحمد الله " 💜💜.
لـ / إسراء عبدالمطلب ، روسيَال