الجزء 2
تُفسِح لها مكاناً لتجلِس إلى جانبها بهدُوء ومازالت تُغطّي وجهَها الباكِ بكفيّها , تنظُر شهد إليها ؛ تنطِق بصوتٍ يدسّ حشرجتهُ بالهدوء : تُقوى
تقوى بنبرة أخفَض حِدّتها البُكاء : نعم
تضمّها إليها فِي صمت وتُقبِّل رأسها : معليش ..
فتعُود لتنخرِط في بُكاءٍ طويل
وتقُول بعد ذرف دموع طال : مَالا بتعاملني كِدا , قتلت لِيها زول !
تبتسِم شهد وتعُود لتضمّها بشدّة تُهدئ رَوعها : حبُوبة عشان ما أحِس بالتمييز .. أو اليُتم؛ بتعمل كدا , بدون ما تحسّ إنها بتضايقك صدّقيني
ترفَع رأسها ببطء بعد سماع تِلك الكلمة وتنظُر إلى شهد بُحزنٍ جَليّ : ش..شهد
تتّسع إبتسامتها في مُحاولة مُجهِده لإخفاء الألم : أنا ما حاسّة بِي كدا ! صدّقيني هي بتبالغ
تقوى : عارفَة.. بس.. الموضوع دا شنُو الفتحُو هسّي !
تُخفِض رأسها بقِلّة حِيلة : حِكاية الجامعة
تتنهّد وتمُد راحة كفِها لتحتضن ضهرها المحنِي : معليش..
يُفتَح الباب بهدوء.. تذهَب أعينهم نحوه
تقوى : أبوي !
محمّد بنبرة آمِره : شهد , حصّليني , ويذهب بهدوء مِثلما أتَى
تنهض بإرتباك..
تقوى : فِي شنُو !
شهد : ما عارفة .. تخرُج خلفهُ والقلق قَد أحاط بِها مِثلَ هالة
فِي جهَةٍ أُخرى /
سارّه : خالتِي السُرّه , مالِك !
السُرّه وهيَ تمسح دمُوعها بطرف تُوبها : ولدي حيّ ولا ميّت يا سارّه , ولدي يا ناس.. ولدي واطاتو وِين , ولدِي
وتُجهِش بالبكاء
سارّه : صلّي علِي النبي , كدِي قولي بِسم الله ؛ الزكّرك ليهو شنُو ؟
السُره : والبِنسّيني شنو.. البنسيني جناي شنُو
تتنهَد بِحُزن : عليك الله امسحي دموعك واستغفري.. الفِيو خير ربّنا بسوّي ..
وبَين قُضبان تِلك النافِذة, يسير المشهَد بِبطء مُستفزّ !
محمّد : أنا عارِفِك بتفكّري في شنُو هسّي , شايفاني حقّار وظالِم
تُقاطعُه بِنَفي مُرتبك, ليعُود ويُكمِل حديثه : عارف , أخوي أحمَد لو كان.. لو كان بيننا كان حيقرّيك في أحسن الجامِعات و.. أنا مادايرِك تحسّي بالنقص لأني رافض قرايتك,, إنتي ماعارفة يابتي الدُنيا دي برّه عاملة كيف ! بتبهدِل الناس النضيفة زيك يابتِي , هناك الشر كتير والشر ديمة بِغلِب !
شهد : لا .. الشرّ ما ديمة بِغلب ؛ إحنا دَام شايلين الخير جوّانا مافِي حاجه بتغلبنا ! جوّانا خِير بكفّي عشان نكُون الغَالبين , نحنا قُمنا وشبّينا من طِين طيّب , ومن أرِض طيبة , وربِينا حنيّة وسمَاحة, الخِير أصِل وطبيعة فينا, نفسنا بتَابا الشرّ كان إتلبّس وإتنكّر.. رُوحنا ما بتقبلُوا ! , شِن بِغلبنا يا ابُوي ؟
يبتسِم وكأنها لامسَت روحهُ عميقاً بِكلماتها : شهد يابتّي
شهد : نعم يا ابُوي
محمّد : يشهد الله معزّتك يابتي مِن معزّة تقوى.. وأكتر , وأشهّد ربنا إنّي غير الخير ما بدُور ليك شِي ,إنتي أصيلة يابتّي وبِت ناس طيبين , الجّامعة بتقدرِي عَليها.. بتقدري وحترفعي راسنا مابتوطّيهُو .. ثُم يحنِي رأسهُ مُتأهِباً للبُكاء.. ويُكمِل بصوتٍ حزين , امشي يابتّي ودعتِك الله
تبتسِم بفرحٍ تعقبهُ دمُوعه : أبُوي محمد! يعني..
محمّد : مُوافق يابتّي.. موافق
تقترِب لِتُقبّل رأسهُ وكفّيه بإمتنان : أوعدِك ما بخذلكم.. وعد
تصمت وهِي تُراقبه : طيّب لشنُو الدموع دِي
محمّد : البِيت بلاك مابِبقى يابتّي
شهد : هو أنا حَ ابعِد منّكم يعني! .. لا لا ما دايره أمِش
محمّد : لالا.. الله معاك مابِضيّعك , وإنتي إن شاء الله قدُر المسؤولية
تتنهّد وتزفُر كل قلقٍ خارج صدرها,لِتُعلّق ناظرها بهِ بنظرة متأمِّلة: إن شاء الله
_
بعد مرُور يَومان :
قُربَ المَغيب, ذلك الوقت الهَادئ مِن كلّ شيء عدَا صوت النسيم الذي يجُوب الحوش..مُداعباً أوراق الشّجر بِرقّة , وأورِقة الشجر تسامِر الأسِرّه التي وَضعت أسفلَها بِحُب..
تقترِب سارّه مِن تِلك الجلسة الهادِئة حاملةً بإحدى كفيّها سجّادة الصلاة, وبالأُخرى إبريق المَاء ؛
محمّد : ياسارّه , تقوى دِي وينَا؟ ما سامع ليها حِس
يندلِق إبريق الماء مِنها بين رجفة حركتها المُرتبِكة , وبِنظرات تبحث عن مخرَج : تقوى..
في جِهةٍ أُخرى , في الشّارع المُقابل للمنزِل :
تقوَى للسائِق : لالا, ما هِنا , لِف وارجع ؛ نزّلني بِي الباب الورّاني
محمّد : مِن بعد الغدا غاتسة, بتعمل في شنُو
سارّه : مقزّعه في التلفزيون
محمّد : يا تقوَى , تقوى
تخرُج من الدّاخل مُسرعة : أيوا يا أبوي
تزفُر ساره بإرتياح ؛
يلتفِت محمّد إلى مصدر الصوت مُقطّباً حاجبيْه بِخفّه : وِين إنتي يابت
سارّه مُجيبةً عنها : ما قُلتَ ليك في التلفزيون غاتسة
تقوى وهيَ تُؤكّد حديث والدتها : آي.. كُنت بحضر في التفزيون , خير عايزين منّي شي؟ عاوِز حاجه يابُوي؟
محمّد وهُوَ يتفقّد جيُوبه هامّاً بالنهُوض : لا بس ناولِيني جُزلاني , في راس الدُولاب
تقوى : حاضر
السُرّه بعد أن فرغَت من الوضوء : على وِين يا ولدي , أقعُد اشرب معانا شاي المُغرب
محمّد : ماشي والله الليلَة ما طلّيت السوق ؛ واوصّي بركات كمان علي حاجات شهد وتقوى
تقوى وهيَ تُناول
ه المِحفظة بإبتسامة : إتفضّل
يستلمها : يلّا , سلام عليكم
السُّره : مع السّلامة , تعالي ياتقوى أفرشي لي المًصلاية دي
سارّه لِتقوى بِنبرة مُعاتِبة : ماكان تجي !
تقوى وهيَ تستلم السجّادة : يا أُمي أعمل شنُو , السّوق زحمة
السُرّه : أجِي, مشيتي السوق
تقوى : آي
السره : وأبوك محمد عارف ؟
تقوى : لا طبعاً
ساره : أحمدِي ربّك انو مافِضى يسأل منّك إلا قبل شوية , كان سِمع بيك كان نجّضك
السُره : اها والسوق عندك فيهُو شنو ؛ هدَا أبوك ما مقصّر معاكَن جاب ليكن الدايراتنّو وزيادة
تقوى : حاجات خاصّة يا حبُوبة
السُرّه : غايتو , قُدَر يابنات الزمن دَا
فِي جهةٍ أُخرى /
تتوسّط فِراشها وفي يدها الورقَة.. الرّفيقة لأفكارها وخطّ كفّها الرقِيق :
"اُمّي؛ أنا سَعيدة , للمرّةِ الأُولى مُنذ زمنٍ بَعيد.. غداً أخطُو خطوتي الأُولى في طريقِ حُلمِي الذي لَبثتُ أرتقبهُ سنِيناً طويلة, اتعلمِين ماذا؟ زميلاتي كُنَّ يشتكين دائماً من رغبَات والدِيهم للدراسة الجامعيّة والتِي قد تُقيّدهن.. أو لا تتماشَى مع أحلامهنّ , عَداي؛ تمنيتُ طويلاً أن تكُون لكُما رغبة وأسعَى في تحقيقها.. أن أكونَ فخراً لكُما , أن أصِير نجمة تُشيران إليها بِسعادة عارمة وتقُولا بِغرور : إنها تنتمِي إلينا . أردتُ أن أنتمِي لقلب يُحبّني .. دونَ أسبابٍ , هكذا ؛ لأنني أنَا ؛ دون أن تُعيده إليّ فكرة يُتمِي ليعتذر عن سوءٍ بدَر مِنهُ.. دون أن تُرافق محبّته لِي شفقة. , غداً تُفتَح لِي آفاقٌ شاهِقة ؛ سأمضِي بِها حاملةً علي عاتقي ثقةً كبيرة , وأمَل , بَل وآمَال , اُمنيتي أن تأتِي هذه الآمال بِمقاس قُدرتي.. آمُل أن أصِل.
تضع مُلاحظةً اسفل الورقَة وهِيَ تبتسم بِخفُوت ؛ أكُتب سوادِي وحُزنِي نثراً على هذا الورقَ.. اُفرغ روحي من ذبُولها بين قلمٍ وصفحة, كَي اظلّ زاهيةً ولا يُحاصرني الذبُول واقِعاً فأعيشهُ.."
تطوِي الصفحات لِتُغلق ذلك الدّفتر , تدُسّه بين ثِيابها بحِرص وتُقفِل تلك الحقيبة التي إكتملَت.
تدخُل تقوى بِحماسَة ومِلئ يديها أكياسُ مشتريات : شهَــد
شهد بِفزَع : بسم الله , خلعتِيني !
تضحَك ؛ تقترِب لتجلس بِجوارها : شُوفي جبتَ شنو
تتأمّلها بِنظرة ضجر : جِبتي شنو يا تقوى
تُخرج مُشترياتها قِطعةً تِلو الأخرى : هدُوم للجامعة , عاينِي
شهد : إنتي يابِت مُش أبوي محمّد جاب لينا وما قصَّر !
تقوى : عليك الله يا شهد الهدُوم الجّابها دي بتتلبِس في الخرطوم !
شهد : بتتلبس ونُص وجركانة
تقوى : يمين إنتي تِبشة ساي
شهد : ياشافعة ! هُو أيّ مكان حنمشي ليهُو إلا نلبس زي أصحابُو ! مالنا ماعندنا شخصيّة هُويّة ماف؟
تقوى : إنتي حُرّه بي طريقتك , أنا دا لِبسي, وهدُوم ابوي مُستغنية ليك عنّها بِالكاامل
شهد وهيَ تنهض مُتوجّهة إلى تِلك الخزانة المُشرّعة أبوابها وقد غدَت فارغة , لِتتناول تِلك النُوتة الصّغيرة : سمِح
تجُر تقوىّ تِلك الحقيبة لتستقرّ بين ساقَيْها , لِتبدأ بِحزم أمتعتها : إنتي ستّفتي قَضيتي مُش
شهد : أيوة الحمدلله ؛ تقترب لِتتوسّط فِراشها مرّةً أُخرى , تضع القلم أسفلَ ذقنها علامةً منها على التفكير : تقوى
تقوى : ها
شهد : أدّيني الأرقام الممكن نحتاجها هناك
تقوى بنبرة رتِيبة : أبوي
شهد : كَتبتُو
تقوى : أمّي ,حبُوبة جِدّو
شهد : كتبتهُم برضو
تقوى : اها منُو تاني يعني , ولِيد !
تبتسِم وهيَ تُمرر إبهامها على صفحَة تِلك النُوتة : كَتبتُو
تقوى بنظرة ضاحِكة : ما فضَل غير عمّ حسين سيد الدُكان
شهد وكأنها تذكرت شيئاً : خالتِي هِبة !
تقوى : آي صَاح , حننزل عندها مُش ؟
شهد بِتردد : ما عارفة
تقوى : كيفن ماعارفة
شهد : ماعارفة ياتقوى أبوي محمّد ما باقي ليهُو الموضوع
تزفُر بقلّة صبر : لكن خالتك راجيانا
شهد : والله يا تقوى إحتِرتَ
تقوى : عايني , أرح لي حاجّة السُره ؛ هي بتحسم لينا الموضوع دَا
*السُرّه مِن حُوش المنزل : يا تقوى , ياشهد , أرَح الشّاي
شهد : الطّيب على زِكرو
تنهَض تقوى بِحركة سريعة وهيَ تنتعِل خُفّها : أرَح أرح
*فِي جهةٍ أُخرى /
شهد : حبُوبة
السُرّه : آي أُمي انا
تضع شهد كُوب الشاي بِبطء وهي تتبادل نظرات الإرتباك مع تقوَى : أء..
تقوي : حبوبة شهد دايراك تكلّمي ليها أبُوي , يعني تكلّميهو لينا
السُره وهي ترتشِف مِن كُوبها : أكلّمو في شنو , مالكَن ؟
شهد : حبُوبة , يعنِي إنتي عارفة خالتي هِبة..
تُقاطعها السُرّه بِتفهّم : أيواا ,أسمعَن الموضوع دا خلّنو لَي , أنا زي ما أقنعتُو بي قرايتِك وقراية تقوى معاك. بقنعُو بي قُعادكن مع خالتك , أصلو حتلاقَن فجّة أحسن من بيت الأهل وِين
تزفُر شهد بإرتياح تعقُبها تِلك الإبتسامة مِن تقوى : الحمدلله
فِي جهةٍ أُخرى /
تنفُذ الحجارة من بين يدِيه , فَينحني ليلتقط غَيرها , لِيصوّب الرمِي على تِلك النافذه المُقابلة لِحائط منزله ؛ ويهمِس : يا شهَد .. شهد
*فِي مُقدّمة الحُوش /
السُره بِنظرات مُستغربة : أجي , الصوت دا جاي من وِين
شهد بإرتباك : صوت شنُو
السُرّه : في زُول بفلّق في البيت مِن وِرا ! أجي س
جمي ما يكونو شفّع نادية الخمجانين أحيَّ عليهم , قومَن قومي يا تقوى شوفي الحاصل , البلا اليَخمّهم شفع السواد واللّواد بري يايُما بَري
شهد : اقُعدي.. أء انا بقوم
تنهَض مُهروِلة إلى الجهة الخفليّة للحُوش ؛ ما إن تتوارَى عن أنظارهم حتّى تعتلي ملامحها تلك الابتسامة
وليد : ماكان تجِي ياخ جيتي ليه !
تُغطّي مبسمها بِراحة كفّها إسكاتاً لضحكتها
وليد وهُو يقاوم الهدوء الذِي يعترِيه ما إن يرَاها : م.. ما تتضحكّي البضحّك شنُو
تتمرّد تِلك الضحكة على كُل محاولاتَها للإسكات , وتنطِق من بين شهقاتها : حبُوبة قايلاك شفّع نادية وما خلّت نبزَه ما نبّزتك بِيها
يبتسم بِهدوء وهو يهِيم بملامحها الضّاحكة
تتنحنَح وتهرُب بِعينيهَا من نظراتِه..
وبعد صمتٍ طال , شهَد : أء.. أها؟
ولِيد : يعني.. خلاص؟ بُكرا السّفر
شهد بِنظرة لا يشُوبها أيّ حُزن , بل حماسةٌ مُفرطة : أيوَة !
وليد بنظرة تأُجّ بالأسَى : ما تفُوتي يا شهد
شهد : وليد ؟ يعني لسّه مُصِرّ تحسسني إنو حلمي ما ليهُو أي قيمة عندَك ؟
وليد بِنبرة هادِئة : ما كِدا .. بس أنا ح أعمل شنُو بدونك ؟
شهد : حَ أرجّع ما بعِيش باقي عُمري هناك , ثُم إنو حياتِك ما لازم تقِيف عَليّ
وليد : قصدِك شنُو ؟
شهد : أسمعني, مادايراك تدّي كلامي تفسير غلَط , لكن بالجّد ما تقيف راجِيني أحرِّكك ؛ أنا ما يدّك ولا رِجلك ولا دماغك , هُو حتّى دِيل إنت بتقدر تعيش بدُونهم , يعني يا وليد انا ما مِحور كُونَك مِحور كونَك هو نفسَك , البِيننا.. البيننا ما شويّة لكن ما تخلبط الأمُور , حبّني , بس ماتبني أحلامَك عليّ لأني زيّك .. مصيري للعدَم والزوَال ! إلا الأحلام .. البِعيش بعدنا هُو أحلامنا . أحلامنا وبَس
وليد بِنظرة مُستنكرة : كلام شنُو دا يا شهَد ؟ أنا بحبِّك
تُخفِض رأسها حياءً , ويُكمِل : وبانِي أحلامي عليك.. بنيتها وإنتهِيت , شهد ؛ حتنسيني ؟
شهد بِتنهيدة ضِيق : مُش قلت لِيك ما تدّي كلامي تفسير غلَط !
وليد بنفاذ صبر : أها تفسيرُو شنو ! فسّريهُو لَي القُلتيهو دَا شنُو !
شهد بِخيبة : ما حتفهمنِي.. بالإذن
وليد : إستنّي
شهد دُون أن تنظُر إليه : أيوة
يُدخل كفّه إلى جيبِه لُخرجه حامِلاً ورقَة : هاك
شهد : شنُو ؟
يضعها داخل كفّها الصغير : تصلِي بالسّلامة. , ويتولّى عَنها .
لَيلاً , بعد أن تلحّف كُل شيءٍ بغطاء أسود .. لِيمنح النجمات في قلبِ السماء بَريقها .. لكنّ النجماتِ لم تأتِي , غابَت اليُوم ليحضُرَ المطر .. تتلبّد السماء بِغيومٍ سئِمَت الصمت , فـغدَت تروي للأرِض قِصّة
كَانت الجدّة تنهضُ مسرعة , تُناول الفتاة فِراشاً ووِسادة لتُهروِل بِها إلى الدّاخل , لئلّا تسمع قصة الغيُوم فتبتلُّ مدامعها , والجّدّ قد غطّ في نومٍ هانِئ مُنذ زمَن , زوجة الإبن تُحكم أقفال المطبخ , حِرصاً على " اللّبن" من تِلك الهِرّة التي تتربّص بهِ , وفي يدها قِطعةُ خُبزٍ وكأسُ حليب .
سارّه : خالي الرّشيد, يا خَال
يُفيق الجد من غفوتِه : أيوة نعَم,في شنو
سارَه : قوم ياخال المطرة جَات
ينهض وتتدلّا ساقاه عن السرير, باحثاً عن نعليه , ينهَض ومازال النوم عالقاً على طرف جفنه , يبحث عن البَاب إلى الداخل بين ظلام حالِك وعينٌ جار عليها الزّمن فـلَم تعُد تبصِر إلا القليل .
السُرّه : طبَلتي المظلّة
تقوى وهيَ تُسلّمها المِفتاح : آي
تُريح رأسها على الوِسادة وبين أصابع كفّها يتدلّا خرز المِسبحة : والله جوّ سمح خلاص إلا المطره حمَتنا الرُقاد
تدخل سارّه : خالِي الرشيد , هاك اللّبن
الرّشيد بِصوتٍ نائم : خُتّيهو هِني
تضعهُ إلى جانبه ؛ : خالتي السُره , هاك اللبّن
السُرّه : الله يباركِك يابتّي
سارّه : دا مُفتاح المطبَخ
السُره : أها حافظة المويه وِيني
سارّه : تصدّقي ما دخّلتها , أجرِي ياتقوى
تقوى بتضجّر : يا أُمي ياخ
السُره : رسلي شهد دي أصلها مسنُوحة
سارّه : صحِي شهد وِينا؟
*في جهةٍ أُخرى /
تُطِلّ من نافذة حُجرتها على المطَر , وفِي يدها ذلكَ الجواب , قرأتهُ حتى حفِظت كلّ حرفٍ فيه.. وكُل همزةٍ ونُقطة , ومازال يرنّ في أُذنها بِصوتِه :
شهَد , دايٍر أرجّعك سنتين لِي ورا ؛ أوّل سَنة ليكِ في العالي , تتزكّري لما حبُوبتك السُره وصّتني عليكِ بي حُكم إني ولد جارتَا ال هِي أُخت عُمُر ليها , فرحتَ .. عاد جنس فرح هُو ؟ من الدغش واقِف راجِيك , وجِيتي , أنا داير بَس اوّصف طلّتك , يا شهد إنتي بتشيلي آخر حاجة رابطانِي بالأرِض دي وبتجدعيها فُوق , فُوق أعلى غِيمة , الأرض ما بتكُون شايلاني بالجّد وكِت أشوفك , كُنتَ في آخر سنين مُراهقتي وكُنتِي إنتي المشاعر الحقيقيّة, الجّبرتني أتعلّق بيها تعلُّق ما عِرفتو إلا معاك .. حبّيتِك , إنتِي .. بي تفاصيلك الكَتير بيتعبني تفسيرها .. بي الجُزء الماواضِح مِنّك دايماً ,حبّيت طريقتك في التعبير والكلَام, نظراتك البتتكلّم أكتَر منّك , إبتسامتك ال على قدُر بشَاشتها وإنّها مابتختفِي , في كُل مرّه بتكُون كأنها أوّل مرّه يا شهَد , حبّيت التُوب عِندك , ملامح وشّك الدّايماً منوّرة ,
وعيُونك, وظِن هِنا لازم أقِيف وأرجع 10 سنِين لِي ورا , لمّن نقلنا جمبكُم , كُنتِي في الرّوضة وأنا جِيت للحِلّة باكِي ومابِي الجيّه , عيُونك كانت أوّل حاجه خلّتني احبّ المكان دا .. كميّة أمان وحِنيّة فيهُم , كأنكِ من نظرة بس بتحضَنيني يا شهَد .
أنا مِن أوّل يُوم لَي في المكان دَا علّقت وجُودِي بِيك , يعني بدّلتَ حاجاتي الكُنتَ بحبّها هناك بيكِ إنتي .. كِبرتَ وشُفت كتير , وكُل ما بكبَر وبالرّغم من عُمري الأكبر منّك دايماً شايفِك أُمي .. ودي أصعَب حاجة في الحُب , إنّي أشوفِك أُمي
أي سُوء مِنّك ما بقبلُو , حتى لو كان السوء دا عِبارة عن إنّك ما ردّيتي على سلامي بس.. برفُض غِيابك , وأدمِن وجُودك لِي درجة مُخيفة.. ودا ماذنبِي ياشهد.. إنتي الاُم بِي كُل تفاصِيلك..
-الورقَة بدَت تضيق.. ما مُمكِنة ياخ إنتي ,كيف وجُودِك في أيّ مكان بِملاهو وما بخلّي فَرَقه لي غيرِك.. شهَد
بحبِّك ؛
لو الحُب بي السنين أنا بحبّك 10 سنوات, ولَو بالقُرب أنا دايماً كُنتَ جمبك, لو بِي دعم الأحلام صدقّيني ما رافِض حلمك.. كُل الفكرة إني طِفل وما بقوَى على غِيابك.
ودعتِك الله
وليد.
ترفَع صوت تِلك المُوسيقى المُحببّه إليها, لتضيع بين رعشة ذلك الحُب الجميلة.. وبين ما إن كان سَيدُوم؟
*لِتُخفضها وهيَ على متن الرِحلة إلى العاصِمة : في شنُو يا تقوَى
تقوى : الله يرحم أيام المُسجِّل , بقِينا نركب السماعات فِي التلفُون التاتش
شهد بضحكة باهتة : أها ماتنقّي هسي يسرقُونا
تقوى : طيّب أقرصيني لأني بالجّد ما مصدقة إنو مُسافرين للخرطوم برَانا ! وللجامعة ! لأ وأخيراً كِدا يعني مسكنا تلفُونات زي باقي الخلِق
شهد وهيَ تتأهّب لقرصها : جِداً
تبتعد تقوى ضاحِكة : إنتي ما صدّقتي ياكلبة
تبتسم بخفُوت لتعود وترفَع صوت المُوسيقى وتسرح بعيداً , في أبعد زاوية تُطل عليها النافِذة
في جهةٍ اُخرى /
في طريق عودتهم مِن محطّة الرِحلة إلى المنزل :
السُره وهيَ تمحُوا دمعها بطَرف تُوبها : يحليلهِن بناتي , يحليلهِن
سارّه : الله يغتّيهن يارب ويعمي عنّهن
السُره : يارب تغتيهن
محمّد : ولو إنو قعادهن مع خالتها الماشغّاله لا بِي عادات ولا تقاليد ولا هامّيها لا الكبير ولا الصغير دِي ماا خاشّه في نافُوخي , لكن أنّشوف
السُرّه بِتنهيدة : ما بجيهن شِي , في النهاية المرَه مننا وعلينا
سارّه : ياقُولك , بالنا مُرتاح الحمدلله
محمّد : خير إن شاء الله .
تتوقّف الحافِلة بشكل مُفاجئ ؛
شهَد وهيَ تنظُر حولها بإستغراب : فِي شنو !
- البَصّ عِطل , معليش بس يخوّانا أنزلو لغاية ما يرسلو غيرو
تقوى بِتأفُف : ومنزلنا مالَك في الحرّ دا سمِح انّقعد لمن يرسلوا غيرهَا, يرسلوك لِل..للجنة الباردة
- معليش يا أُخت , البص خمسة دقايِق ويِصل , أنزلوا عشان نفضّي البص من الشنط
- شهد : استغفر الله العظيم..
تقوى : يا الله , أرح طيّب
ما إن يصِلا إلى درجات النزُول حتّي تلتَف شهد إلى تقوى : تقوى تلفُوني في الكرسي أجرِي
تقوى بحركة سريعة تصل إلى المِقعد المُرام : الحمدلله هدَا لقيتو
شهد وهيَ تسدّ طريق النزُول : الحمدلله
لِيتأفف أحدهُم خلفها وهوَ ينشّف عرقه بمِنديل إهترأ كـصبره الذي بدأ بالنّفاذ : يا آنسَه
تلتفِت إليه
لُيزيح عن عَينيه النظارة الشَمسية : مُمكن لو سمحتِي تفتحي الطّريق ؟ ما مُمكن كِدا الناس عايزَه تنزل
شهَد وهيَ تتأكّد مِن رؤيتها لِهذه الملامح مِن قَبل
يصِيح بعصبيّة : زحّي يااخ !
شهد بإنتفاضَة خَوف : حاضر !
تنزل لِتقف جانباً
تقوى وهي تنزل إليها : دا مالُو دا
شهد وهي تُحاول جاهدة تذكّر تِلك الملامح الحادّه , بشرةٌ سمراء وعَينان كالسّهم , حاجبان لا يبدُو أن الإبتسام قدّ شق طريقهُ إليهم من قَبل , مَن هذا ؟
تقوى وهيَ تُلوّح بكفها أمام ناظِرها الشارد : هُووي , ألُو
شهد بإستفاقة من ذلك الشرُود : أء
تقوى : وِصلتي الخرطوم ؟
شهد بِضحكة : طِيري
تقوى : أعملّيك شنُو سارحة زي الرايح لِيك زول
شهد : أنسِي , أرح ننزل شِنطنا
تقوى : سمِح
يستلم كُلًّ حقيبتهُ ليتوجّه بِها إلى الحافلة الأُخرى
شهَد لِتقوى : ياخ برّاحه هسي شرطتي الورقة البفرُز بيها شنطتي
تقوى : وكِت هي شنتطتك ما تتفضّلي تعتليها براك قايلاني شغالة معاك بالأُجره
شهد : خلاص ما تكُوركي نِحنا في الشارع
تقوى بِنظرات طفوليّة غاضِبة : بكُورك
شهد : تقوى , مُش أنا نزلت الشِنط من البص الأولاني , خلاص دا دُورك , بعدين ياكلبة إحنا كُبار ومفروض ماشّين الجامعة , خلينا ما نتشاكل
تقوى وهي تزفُر الغضب إلى الخارِج : خلاص تمَام , كلامِك صاح
شهد : أيوه كِدا , يلا فالحة الشنطة التانية دخلّيها براحة
تقوى وهيَ ترمقها بِنظرة مُتوعّدة : سمِح , عندنا بيت يلمّنا
شهد وهيَ تكتُم ضحكتها : فالحة بِتّي
__
تصل الرِحلة بينما همّت الشمس بِالسفَر .. حزمت أمتِعتها والنّاس بدأت بإستلام حقائِبها للنزُول .
ترتمِي شهد بين إعوجاج ذلك الحُضن الشَاسع.. الرؤوم في الحِين ذاته : خالتُو
هبِة : حبيبة خالتُو , حمدلله على سلامتك يا عِي
ن خالتو
تتنفّس رائِحتها وتتشبّث بِها أكثرَ فأكثر .. مضى وقتٌ طويل مُنذ آخر دِفء .. وقتٌ طويل لم يُدفئ فيهِ يُتمها أحد : إشتقت ليك
تعتصرها إليها كأنمَا تُفضي ما بِها من حُزن و وِحدة , لتعُود طفلةً بِلا أحزان : أنا إشتقت لِيك والخرطوم إشتاقت لِيك , البيت اشتاق لِي شهد زاتُو
تقوى : يا جماعة مُمكن نمشي عشان أنا شكلي كدا إتأثرّت بي فلم الشُوق دا وغالباْ ح أبكِي
تبتعِد شهد وهي تمسح تِلك الدموع العالِقة بِطرف عَينها : يلا طَيب
هِبة : خلاص دي ياها حاجاتكُم كلّها ؟
تقوى : أيوة
شهد : شنطتي السودَا وينا يا تقوى ؟
تقوى : ياتُو سودا
تشهَق : تقوى شنطتي شنطتي السودَا !! وينا ؟؟
تقوى : يا الله , مانزّلتها , دقايق
تُهروِل إلى الحافِلة ويتبعانِها بِقلق , تدخُل بين الحشُود التي تتجمهّر أمام دولاب الحقائب أسفَل الحافِلة
تقوى بِتنهيدة إرتياح : ياها دِي
تزفُر بإطمئنان : الحمدلله
هِبة : مالك خايفة عليها كدا ماتكُون الشنطة الفِيها كِتاباتِك
شهد : آي ياها
هِبة : طيّب إتأكدي ماتكون ما ياها
تقوى : ياها ياها , منُو بِشيل شنط سودا عليك الله غير ستّنا دِي
شهد بِنبرة مُنهكة : ما حنمشي
تحضنها إليها بِحُب : أرح أُمي أنا يلّا , تِعبتو مُش السفرَه طويلة
تقوى وهيَ تُشير للسائق أن يحمِل الحقيبة : تعب ساي , أسكتي بس
هِبة : عمّ مُسعد إتأكد إنو الشِنط كلها قاعدة في الضهريّة الله يديك العافية , عشان نتحرّك على البِيت
تقوى : الشنطة السودا دِي خليها مادايرينها
شهد : أمشِي ياكلبة
تُمسِك يدها بِضحكة ويسيران معاً, كمَا هُم دائماً.
فِي جهة أُخرى /
يتأكّد شُوفيره الخاص من وجُود الحقائب مُكتلمة في حقيبة السيّارة , بينمَا يُزيح هوَ نظّارتهُ الشمسية عن عَينيهِ : سفرَه طويلة خلاص
ليرُدّ رفيقه : براك بَليتنا بيها , إستلِم
يصعد الشُوفير إلى السيّاره : حضرتك كُنت ترسّل لَي كُنت جيت أخدتكُم بدل التلتَه دي
يُجيِب رفيقهُ عنه : إنتَ عارف ياا أكرم سافرنا مع تِيم عشان مشرُوع الترمِيم , أها بقينا مُرتبطين بيهم في الرجَعة فقُلنا أحسن شِي البَص
الشوفير : الحمدِلله على سلامتكُم
__
فِي ذلك الحيّ المرموق , منزلٌ أخذ حيزاُ كبيراً مِنه
حديقةٌ تحمل البهجَة رُغم ألوانِها الهادِئة.. التي تميل إلى الغمُوض كثيراً .. مِن تلك المُرجيحة إلى ذلك المقهَى الصغير , وفِي الدّاخل سلمٌ على إمتداد النظر , صعوداً إلى الأعلى والعين تُسافِر بين أثاث الإستقبال الراقِي , تِلك الحُجرة التِي إجتاحتها فوضى الحقائِب , حقائبٌ وصلت للتوّ لتسكُن هنا طويلاْ
شهَد مِن أمام تِلك الحقيبة السوداء : تقوى , تقوى ألحقِيني
تقوى : بِسم الله مالِك في شنُو !!
شهد : تقوى ! دي ما شنتطي !
يُتبَع ..