الجزء 8
بمنزِل سوسن /
تعُود بِحماسة حامِلةً هاتِفها وجهاز الحاسِب , تتوقّف وهلةً لِترى كُرسيّه خالياً , تنظُر حولهَا : خالد ؟ خالد
تعُود بِنظرها إلى الطاولة لِترى تلك الورقة فوق كُتبِها , تضع حِملها جانباً وتلتقطها : أنا مشِيت , الأرقام كتبتها لِيك هِنا. نتلاقى
تزفُر بِضيق : الواحد ما يتأخّر دقيقتين يعني , مامُمكن شنُو الحساسيّة الزايدَة دِي !
تستلم هاتِفها بإنفعال , يرنّ هاتفهُ في جِهةٍ أُخرى ؛
خالد : ألو
سوسن : خالِد , لشنُو مشيت ؟
خالد : شُفتِك طوّلتي قُلتَ..
تُقاطِعه بإنفعال : قُلتَ شنو ؟؟ قلتَ ماحابّة وجودي أحسَن أمشي مُش ؟ ياخالد كُل القلتُو ليك إنو نظرات سليم ما مريّحاني ! ماعايزاك تنزل من عين ولدَك أفهمني !
خالد : سوسَن.. أهدِي انا ماقُلتَ كِدا
سوسن : لا قُلتَ, ومن رأيي مافي داعي لِحكاية الحفلة دِي حتّى ورقة الأرقام حَ أرميها .
خالد : سوسَن,ألو؟
يزفر مُتضايِقاً بينما تُمزّق رسالتهُ بِإنفعال : مُراهِق , حرفياً وقّف في سِن ال18 وعَاش .
فِي جهةٍ أُخرى /
ترفَع نظِرها إلى السمَاء , وتُسلِّمها كُل الأمانِي والدعوات , تسقُط قطرةً أعلى قَميصها الأزرق.. زُرقة السماء الهادِئة , تبتسم وتطلب أُمنيةً أُخرى.. قطرةٌ أُخرى , تتّسع إبتسامتها وتدعِي بِحُلمٍ وأمل أكبَر , لِتتوالَى القطرات على رأسِها وفوقً كَتفيْها , تضحَك بِسعادة غامرة وتُشرِّع كفّيها لِخيرات المطَر
تقوى : شهَد , الجِن الكلكِي اليجننِك يابت أُمي وأبوي؛ إتبلّينا وبقينا رُقاق بي لبن رسمياً يعني وإنتي لسّة واقفة لَي هِنا إنتي, أرح خلينا نخُش تحت المظلّة دِي
تعلُو أُمنياتها ضاحِكة, يهطُل المطر مُبتسِما يُداعِب رُوحها فيتساقط عن قلبِها كُلَّ هَم : خلِّيني , خُشّي برَاك
تقوى : برِي ما بخُش براي , بعدين أخلّيك براك تدوّري كَدي زي الدراويش تجي عربيّة قاشطَة تسوقِك معاها للحياة الآخِرة , وأشيل ذنبِك
تصمت وتلتفِت لتتفقّد مَن خلفهم , وتُكمِل : بعدين في ناس كِدا ما شالُوا عينهم مِنّك
تتوقّف : منُو ؟
تقوى : هِشام
تضحَك وتهزّ رأسها فتهتزَ جَديلتها عابِثة بمشاعِره : عايني خالتو وِصلت
تلتفِت حيثُ تنظر فَتجدها ؛ تتقدَّم إلى العربة وتفتح البَاب : طِريتينا أخيراً تطراك العافية أُمّي أنا بعد ما بقينا رُقاق
تتقدَّم شهد وتصعَد : عِشنا يُوم من المفاجآت ياخالتو ياريتِك كُنتي معانا
يصمُتان , يلحَظان صمتها
شهد : خالتُو ؟
تلتفِت إليها بِملامحَ لا تُفسَّر : هَا
تقوى : بِسم الله , مالك يا هبة ؟
تُجيب بصوتٍ راجف : ك..كويسَة
شهَد بِخوف : خالتُو ! خالتو إنتي بترجفِي !
تضع كفّها الراجِف أعلى وجهها لإخفاء ملامحها الشاحِبة دُونَ جدوى : الضّغط
تقوى : بِسم الله بسم الله مالِك بَس !
شهد : نعمَل شنُو !!
تُجيب بنبرةٍ بالكاد تنطِق : نمشي البِيت..
تقوى : بيت شنو الله يهدِيك إنتي قادرة تقعدُي عشان تسُوقي !
تُمسِك كفّها وتعتصره : خالتو مالِك والله حاموت من خوفي
هِبة : عندي.. عندي دوَا في البيت
تقوى : الطّريقة التوصّلنا البيت يا الله !
شهد : ن.. نمشي بالمواصلات ؟
تقوى : والسيّارة طيب !
شهد : يا الله ياسِيدي.. يا الله ساعِدنا
تلتفِت إلى تقوى, بينما إلتفتت هيَ أيضاً إليها ,
شهد بإستسفار : نعمَل كِدا ؟
تقوى : مافي حَل تانِي
تُفلِت كفّ خالتها وتمسَح جَبينها المُتعرِق بِرفق, تترجّل عن السيارة وتتّجه إليه بِتردُد
يتأمّلها بِنظراتٍ بدا فيها الإرتباك.. نظرةٌ تسألها ما بِك ونظرة تُنبِت زهراً لِمجيئها , وهيَ تفرك كفّيها بِتوتر
منذ 8 ساعات
ينُظر إليها بِقلق : شهَد ؟
شهد : هِشام بِصراحة..
يُقطّب حاجبيْه وهوَ يُصغي إلى كلماتها المُتقطّعة
تُكمِل : ما .. مابعرف زُول غيرَك هنا.. خالتِي ضغطها نِزِل وغالباً ماحتقدر تسُوق بالحالة دِي
هشام : سيّارتي موجودَة ! هي وين أنقُلها المستشفَى حالاً ؟
شهد : لالا.. ما مُحتاج هِي دواها في البيت..
هشام : طيّب أوصلكُم؟
شهد : بتقدر تسُوق عربية خالتِي ؟ مابنقدر نخلّيها هِنا
ينظُر إليها نظرة تُطمئنها : أكِيد
تزفُر بإرتياح : الله يرضى علِيك.. السيَارة هناك هَدِي
هِشام : يلّا طيب..
*فِي جهةٍ أُخرى /
يدفَع الباب إلى الدّاخل فيُفتح, يُخرج مِفتاحه مِن الباب ويدخُل , يُشير لهَا أن تدخُل : خُشّي
يتنهّد وهوَ يتأمّل إنشغالها بِخلع حِذاءها : يابِت خُشّي ساي إحنا ماعندنا هوَسَك دا في بيتنا
تخلع حِذاءها وتدخُل بالجَورب : برضُو , مابرتاح نفسياً إلا كِدا
يضع مِفتاحهُ على طرف الطاوِلة : مخيّر الله
تدخُل وتضع حقيبتها على أقرب أرِيكة : مافِي زول في البيت ولّا شنُو
سليم : أبوي في المصنع أكِيد , وامي وحبوبة في الحديقَة بكونوا يا عِند الجيران
تقفِز لِتجلس بِجسدها الصغير على الأريكة : طَب أقعُد أحكِي ليك
سليم : بغيِّر هدومي وأجِي
ملاذ : ياخ أقعُد , الموضوع بخُصَّك
يقترِب لِيقف أمامها بِطوله العالِي : طيّب أجيب لينا
كُبايتين مويَه على الأقل
تُمسِك بِذراعه وتسحب
هُ لِيجلس بِجوارها : خلِّي المُوية وأسمعني
يطبِق أصابعهُ داخل كفّه لِيسند عليهِم خدّهُ : أنضُمي
ملاذ : إتعرّفتَ على البِنت الإسمها شهد , حقّت أوّل محاضرة
سليم بإهتمام : أيوه ؟
أمَام بوابة مَنزِل هِبة /
شهد : هِشام , ماعارفة أشكُرَك كيف
هِشام : خلاص معناها ماتشكُريني
تضحَك : بالجّد لقيتك زي الإنقاذ , تسلَم
هشام : خالتِك كمان شكلها إتحسّنَت
تلتفِت لِتنظُر إليها واقفةً أمام الباب إلى جانب تقوى : أيوَه الحمدلله..
يتراجع مُتفقِّداً جيُوبه : أستأذَن أنا
شهد : إتفضّل شوية
هشام : اعتقد جرّبتي تعب الجامعة الواحد أُمنيتُه بعدّه السرير وبَس
تُصافحه ضاحِكة : تصبَح على خير طيّب
يتورّد جَوفهُ إثر ضحكتهَا , يُودّعها : تلاقِي الخير
تتقدّم إلى الباب , تتبعهُ بنظرها إلى أن يتوارَى وهيَ تُلوِّح لهُ , تلتفِت إليهنّ : خالتُو , بقيتي كِيف ؟
تقوى : شهد جِيبي المُفتاح
شهد : المُفتاح معاي أنا ؟
تقوى : الشنطة الفي يدّك دي مش شنطة خالتُو ؟
شهد : أيواا ! وأنا إحترت إنتو لي هسّي واقفين في الباب ليه !
تُقبّل جبين خالتها وتُخرِج المِفتاح : معليش حقّكم عَليّ , إتسنّدي فينا يا خالتُو ؛ هاك المفتاح
تفتَح تقوى الباب وتدخُل : من وصلنا ما قُلتِي كلمة , واللهِ بديت أخاف عليك
شهد : خالتُو , مالِك
تزفُر وهيَ تتقدّم عبر حديقة المنزل : مافيني شي , مُحتاجة أرتاح بس ماتخافُوا عليّ
شهد وهيَ تنظر خلفها : خلّينا الباب فاتح , تُسنِد خالتها إلى تقوى , حَ أقفلُو وأرجَع
يتقدّمَان إلى الداخل بينما تهمّ هيَ بإغلاق الباب , حتّى ينتصبَ أمامها رجلٌ بِهيئة غريبة , تُقطِّب حاجبيها بِخوف : منُو !
يُجيبها بصوتٍ قد حدّثهَا مِن قبل : دا بِيت هِبة إسماعيل
تلتفِت هِبة إلى الباب : شهد , بتكلّمي منو ؟
تلتفِت شهد إليها : في راجل في الباب بسأل مِنّك
ينتفِض جسدها بِخوف : منُو
يُدخِل رأسهُ : أنا يا هِبة
تشهَق مِراراً , ينتفض جسدها المُتعرِّق بِخوف , لِتفقد وعيها أخيراً بين صرخات البنات ونظرات ذاك الرجُل الهادِئة .
في جِهةٍ أُخرى /
سليم : غبِي ؟
ملاذ : إنتَ خلّيت المسبّات كُلها ووقفتَ عند دي يعني ؟ البِت ماخلّت كِلمة ماقالتهَا فيك بس فهمني إنتَ عامل ليها شنُو ؟
سليم : أ.. يعني هِي ماقالت ليك شِي عنّي
ملاذ : قالت قالت , قالت غبِي وعديم أسلوب و..
يُقاطعها مُقطّباً بين حاجبيه : غير السبّ
ملاذ : لالا , ماقالت شِي
يشرد بِفِكرِهِ بعيداً
ملاذ : بس طيبَة بالجّد , دخلت قلبِي شديد
سليم : باللهِ ؟
ملاذ : والله ياخِي
سليم : طَيبة إنتِي
يُفتَح الباب لِتدخُل بهجَة : السلام عليكم , ماشاءالله الليلَة لُوزه عندنا
تنهَض لُتسِّلم عليها : أهلين خالتُو , جينا من الجامعة سوَا
بهجَة : أها كيف أوّل يُوم إن شاءالله إرتحتي للمكان
ملاذ : يعني , مع الأيام بتعوّد طالما سليم وهشام قاعدين
بهجة : ياقُولك , الحمدلله وجودهم معاك بِساعدِك , سليم حبيبي يومَك كيف
سليم : مااشي حالُو , أنا طالِع أغيِر
بهجة : خلاص غيِّر وأنزل سَريع نتعشّى سوا مدام لوزه هِنا
ملاذ : لالا , أنا إتأخرتَ اساساً إنتي عارفة ماما بعد 9 بتنوّمني في الشارع لازم أمشِي
بهجة بِضحكة : خلاص في أقرب فُرصة تجي تتعشّي معانا
ترتدِي حقيبتها : إن شااء الله يا خالتُو, يلا تصبحُو على خِير , نتلاقى بُكرا سليم
يُودّعها رافِعاً كفهُ ويصعد إلى الأعلَى حامِلاً تعب اليُوم على عاتِقَيه
فَجراً /
إجتاح ظُلمة السماء زُرقة نَعِسة , كأنّها أعيُن غَفت دون أن تشعُر وأفاقَت بعدَ نِصف ساعة ؛
تخرُج مِن الحمام حامِلةً مِنشفة
تنهَض تقوى : أصلُو وضُوء هو ولا جلسة تقشير
شهد : إستحمِيت عشان التّعب الفيني يرُوح
تقوى : تعب وساي هُو , يمين الليلة حصّلنا سلاحِف النينجا في المُغامرات وفُتناهم لي غادي
تفتح خِزانة الملابس لِتتناول رِداء الصلاة : لأ بَس الماقادَرة أفهمُو الراجل الجَا هِنا دا عايز من خالتو شنو , وقعة خالتو بعد ماشافتُو دِي مابتفوت عليّ
تقوى : الراجل إتلفتت أشوف هِبة عاينتَ لقيتو إختفَى , سجمي يا شهد يكُون جنّي ؟
شهد وكأنها تذكّرت شيئاً : الراجل دَا انا شفتُو قبل كِدا !
تقوى بِخوف : أسكنهُم مساكنهم
شهد : يا مُتخلفة شفتُو جَد , في حَارة ناس هِشام , لِقاني قاعدة وأدّاني مُوية ومشا حتّى ما عزمني يوصّلني
تقوى : هسي دايرة تقنعيني بعد الغرابة دي كُلّها إنو ما جنِّي
تنفِض رِداء الصلاة لِترتدية بِضحكةٍ ساخرة : يابت جنّي شنُو قُولي بسم الله
تقوى : شهد والله العظيم خُفتَ تعالي معاي أتوضّى
شهد بِضحكة : يابِت أمشي خلّي العوارَة
تقوى : تخوّفني وتضحَك فيني , كلبة
تستقِيم على السِجادة وهيَ تبتسِم : الله أكبر الله أكبَر
تتّجه إلى الحمام فَ يُوقفها رَنين الهاتِف , تنتفِض بِفزَع وتتشبّث بِذراع شهَد
تضحَك شهد رُغماً عن الصلاة التي بدأتها : الله يجازيك يا تقوى
تقوى : دا التلفُون ! قطع قلبي يقطع شبكتُو الحيوان
تتقدّم تقوى لِترى المُتّصل : دَا بركات
تبتسم شهد وتجمع أطراف سجّادتها : أخلِيت ل
يكم المكَان
تخرُج وتُغلِق الباب خلفها
بمنزل سوسَن /
تُراوده حُلماً , شعرُها مُنسابٌ وإبتسامتها كالمَاء , ترتدِي لوناً غريباً, صاخب.. أم هادِئ؟ تُصافح كفّهُ ؛ فَتخرُج أزهارٌ مِن صَدرِه بِلون ما ترتدِيه , يغمرُه الدِفء.. السّعادة فراشاتٌ مُضيئة تسبحُ في فضاءِ عُمرِه , لا يهدأ قلبهُ من الخفقَان .. كُلّ خفقةٍ تُنبِت زهرَة, تسحَب كفّها مِن كفِّه .. يختفِي بُستان صدرِه.. يُفيق
يرفَع رأسهُ , ثُم يعود ليدفنهُ في الوِسادة , يبتسِم : شهْد ؟
ينظُر إلى النافذّة , إنهُ بزوغ الفجر , هل بدأ يومٌ جَديد؟ هل سأراها ؟.
تُنهِي قائمة دعواتها الطًويلة , تستلم مُصحفاً , ثًم تُعِيده دون أن تفتحهُ , تنهَض وتتّجه لِغُرفة خالتها , تهمّ بِطَرق الباب ثًم تتراجَع " لا أُزعِج راحتهَا الآن" .. إذاً لأتفقّدها فقط ؛ تفتح الباب بِبطءٍ وخِفّة , تضَع قدمها في الدّاخل , تتبعُها الأخرى , تتقدّم ؛ يلتقِي حاجبيها وهيَ تسمع حديثاً يدور بينها وبَين أحدٍ مّا على الهاتِف غالِباً , تسترِق السَمعْ
هِبة : وإنتَ وين هسّي , طيّب , صالح أسمعني
تهمِس شهد لنفسها مُستغربة : صالح ؟
هِبة : صالح , ماتتهّور , سامعنِي , يا صالح حرام عليك البتعلمُو في رُوحك دا والبتعملو في السُرّه أُمّك ! المرَه مِن 18 سنَة تبكِي ولسّة راجيَاك !
تشهَق بِذُعر , يختنق الهواء داخِل رِئتيها , تُحيط صدرها وتعتصره بِقوّة " صالح ! ودّ .. ودّ السُرّه ؟؟ أبُوي!!!!!!"
يُتبَع..