الجزء 3
تقوى : كِيف ماشنتطك !
يُفرِغان ما بالحقيبة من أمتعةٍ لا تُشابه أمتعتهم , تُحيط شهد رأسها بِكفّيها : الشنطة إتبدّلت , ألحقيني يا خالتُو
فِي جهةٍ أُخرى /
إصطفّت تِلك السيارة إلى جانِب الأٌخريات فِي جراش الفِيلّا ومُنذ قليل وصَل وليّ عهد تِلك العائلة الفذّة .
جَميلة في عامها الخَمسين , مازالت ترتدِي الألوان الزاهيّة التي تُناسب بشاشة ملامحها وعبقُ حضُورها .. تصعَد إلى الأعلى بِشوق : سليم
يُجيبها مِن داخل حُجرته : أُمّي
تدخُل عبر باب غُرفته المفتوح وتُشرِّع ذِراعيها لهُ
يحتضنها هوَ إليه بحُكم طولهِ الذي يفُوقها : أُم سليم , كُل سنة وإنتي روح البيت دَا
تُربّت على ظهرِه بحنَان : حبيب أُمك , حمدلله بِي سلامتك
يبتعِد لـيُقبّل كفيّها : الله يسلِّمك لينا
تُصافِح رفيقهُ بِترحاب : حمدلله بي سلامتك يا هشام , بركة الوصلتو سالمِين
هشام : الله يسلِّمك ياخالتو , آي والله بركة الوِصلنا سالمين ولدِك دا يسافر لي حاجة مُعيّنة وتاني يمقلبنا جنّو شُغل
تضحَك : طالِع لي أبوهو , أها يلا أخليكُم ترتاحوا حبّه , هشام مُتعشّي معانا مُش
هشام : ا..
يردّ عنهُ مُقاطعاً إياه : ايوه مُتعشّي معانا مافِيها نقاش
هشام : خلاص أمرِي لله , بَس مانتعبّك ياخالتو بهجَة
تُجِيب بإبتسامة : تعبكُم راحة ؛ يلا أُخدو راحتكم
تخرج وتُغلِق الباب خلفها
سَليم : أنا ح أُخشّ آخد لَي دش عالسريع كِدا
يسقط بِثقله المُتعَب على السرير : تمام أنا ح آخد لي غفوة
سليم : عايِن , قُبّال الغفوة حقتك ناولني تيشيرت مِن الشنطة التِحتَك دِي
هِشام وهوَ ينهض : دِي؟
سليم : آي
يفتح الحقيبة بِهدوء , يُحملق في مُحتوياتها بِبلاهة : سليم
يجُيبه من بين إنشغاله بإنتقاء عطرٍ مُناسب : شنُو
هشام : إنتَ بقيت تقرا كُتب من وراي
يلتفِت إليه بإهتمام : كُتب شنو؟
هشام وهوَ ينبش الحقيبة : أجِي يا ودّ أُمي
سليم وهُو يلتفِت إليه بكامل جسده : يا هشام في شنُو ؟
هشام وهوَ يستخرج ملبُوساتٍ لا صلةَ لها بِعالم الذكُور , يرفعها وهوَ يكتم ضِحكتهُ : دا شنُو
يأتِي مُسرعاً ليتعثّر بالحقيبَة ويجلس بَغتة , ينظر إلى محتويات الحقيبة : دا شنُو ؟؟
__
*تخرِج ذلك البِنطال الرِجالي وترفعهُ : وكمان مبدّلة لِي شنطتي مع شنطة ولَد يا تقوى
تقوى وهيَ تفرد طيّات ذلك التيشيرت الأزرق : لكن الصراحة تنقال زُوقو حلو شديد في الهدُوم
شهد : خالتو , زحّيها مِني حتجيب لي غُدّة , أنا في شنُو وهي في شنُوو
هِبة : كدِي أهدي , صلِّي عالنبي ؛ فتّشي إحتمال نلقى حاجة نصل بيها لي صاحب الشنطَة ؛ تقترب لِتتأمّل تلك الملابس إلى جانب تقوى , وتُكمِل : والله بالجّد زوقو حلُو
شهد : حتّى إنتي يا خالتُو
هِبة : قصدِي باين من لِبسو إنو وَد ناس , حيرجع الشّنطة ما تخافِي
تقوى : عاينِي , إنتي ماخاتّه في الشنطة عنوان ولا أيّ شِي
شهد : ما عارفة ما أظِن ,تفِزّ وكأنها تذكرت شيئاً لِتُضيف : النُوتة حقّتي !
في الجهةِ الأخرى /
سلِيم وهوَ يستلم تِلك الأوراق : هسّي دا شنُو
هشام وهوَ يتفقّد الملابس مُتطفلاً : شكلك وقعت مع دار نشر , يبتسم وهوَ يستلم تلك الفستان : دار نشر سمحة سمَاح
يضرب كفّه لتسُقط الملابس : هشام , ركِّز
هشام : مركّز ياخ براك إتسلّطت علي , كُنتَ مركّز
سلِيم وهوَ يزفر : ياخ ركّز خلينا نلقى حاجة نوصل بيها لي صاحب الشنطة
هشام : صاحِب شنُو ؟ بعد الشفتو دَا بِقا فيها صاحب , دِي صاحبة بالتاء المربُوطة خمسة ربطَات
سليم وهوً يرمقهُ بنظرة حادّة : ياخ أكبَر
هشام : أنسَاك منّي , يعُود لِينبش الحقيبة فيستلِم تلك النُوتة , يفتحها بِعبَث : سليم عايِن
سليم : أها
هشام : دي نُوتة أرقام
يلتقطها منهُ بإهتمام : في زُول بِكتب أرقامو في نوتة الزّمن دَا
هشام : البِعيش ياما بِشوف , يستلقِي على ظهرِه وهوَ يقرأ ما وقعت عليه عَينه مِن تلك الأوراق :
" أُحِبّ الإضاءات الخافتَة , ساعاتُ الفجرِ الأُولى, -شُكراً- التي يُسمَع إمتناني فيها أعلى مِن صَوتي؛ تستهوِيني الوسطّية.. فلا وضوحٌ يجهَر ولا غموضٌ يُحيِّر. "
يبتسِم وتتبع إبتسامتهُ تعجّب إرتسَم على تقاطِيع وجهِه , لِماذا أبتسِم؟
سلِيم مُقاطعاً إنسجامهُ بالقِراءة وكأنهُ عثر على شيء : هِشام
ينهَض : أها
سليم : فِي رقم هِنا , مكتُوب هِبة خالتي البلد وهبة الخرطُوم
هشام : الفِي الخرطُوم دِي بس إتّصل عليهَا
سليم وهوَ يستلم هاتفهُ : دقايِق
**
هُناكَ, في الجهةِ الأُخرى حيث إنقلبت الغُرفة رأساً على عقِب بحثاً على أي خيط يصِل بينهم وبين حقيبتهم المفقُودة /
تقوى : عايني لقيت شنُو
شهد بإهتمام : شنُو !
تقوى : معجُون حِلاقة
ترمِيها بالوِسادة : اقطعي وشّك دا مِنّي
تقوى : ياخ رُوقي , أنا حاسّة إنو الشنطة حترجع
شهد وهيَ تضع كفّها أسفل خدها : الله أعلم
تدخل إليهم وبين يديها ضِيافة : إتفضّلو ما ضيّفتكم من وصلتُو
شهد : مافي داعي ياخالتُو إحنا ما ضيُوف
هِبة : لالا ياخ معقُولة
؟ ريقكُم بكون نِشف كمان بعد حكاية الش
كُنت قايلاهُو نضّام كدا , كرّهني بالاسئلة
هِبة : شهد
شهد بهدوء : أيوة
هبة : مالِك ؟ وشّك إتغير فجأة
شهد وهيَ تزفر ذلك الموقِف السخيف منذ قليل بعيداَ عن صدرِها : ماف شِي بس مُحتاجة لَي كُباية قهوة
هبة : من عيُوني الجُوز
شهد بإبتسامة : يسلمُو لي
تقوى : وأنا زاتي
هبة : دايرة قهوه ؟
تقوى بتعبير طفُولي : لأ , دايرة عيونِك الجُوز
تضحَك هِبة تتبعها ضحكة شهد الهادِئة
تقوى : دلّعوني معاكم ما ممكن كِدا !
هبة : تكرم عِينك , احلى قهوة لأحلى بنات
تقوى وهيَ تبعث لها قُبلة في الهواء : تسلمِي ليهم
__
في طريقهِم إلى المنزل /
هشام : حلوة يعني؟
سليم : ما عارف
هشام : ماعارف دي أصرفها وِين , كدي أعربها ليّ
سليم : ماعارف , البِت غريبة ؛ للأمانة حلوة , لكن ماعارف حسّيت إني داير أستفزها , ياخ بياتُو حق تكون حلوة كِدا ؟
هشام : أبشّرك يا ود امي , إنتَ جنيت
سليم : جادّي معاك ذ
هشام : طب هي صاحبة الشنطة ؟
سليم بعد إكتراث : ماعارِف والله
هشام وهوَ يُمعن النظر إلى جُملها المكتوبة بِخطٍ رقيق : صاحبتُو زولة عجيبة , عجيبة بالجدّ
سليم : هُو شنو هو
هشام وهوَ يلوّح بِه : الدّفتر دَا !
يُتبَع..
نطة دِي
تقوى : في صوت تلفون
هبة : دا تلفُوني , دقَايق أشوفو
تخرُج ويتبعانِها
*سَليم : ألو
هِبة : مرحَب , منُو معاي ؟
سليم : معليش لو بزعجِك ؛ أنا كُنت في البص الجايّ للخرطوم اليُوم "إسم البَص" وفقدت شنطتِي بصراحة, بالأصح إتبدلّت
هِبة وهيَ تنظر إليهم مطمئِنة إيّاهم : أيوه؟
سليم : لقيت الرقم دَا في الشنطة بصراحة و
هِبة : أيوه حقيقي إحنا شنطتنا إتبدلّت في البص , تسلم على أمانتَك
سليم : الحمدلله, يعني شنتطِتي معاكم ؟
هِبة : أيوة في الحِفظ والصُون ؛ أء.. وين ممكن نلاقيك؟
سليم : ماعندي مُشكلة حددّو وبَجي
شهَد وهي تسترِق السمع إلى حدِيثه , تنطق بِهمس : هسّي هسسّي
هِبة وهي تهزّ رأسها بالإيجاب : أء.. خلاص لو ماعندك مُشكلة ممكن هسّي , برسل لِيك عنوان البِيت
سليم : خلاص تمَام , في إنتظار رسالتك
هِبة : تمام , شُكراً لِيك
سليم : العفُو..
تُغلِق الخطّ بِفرح : الشنطة إتلقَت
شهد وهيَ تزفر القلق إلى الخارج : الحمدلله , قالّيك حيجي؟
هِبة : أيوة , قِمّة في الذوق بصراحة
تقوى : ظااهر من معجون حِلاقتو
تضربها شهد بِخفّة وهي تضحَك : مُتخلفة دِي
هِبة بعد أن أرسلت العنوان , تنهض : يلا يلا سمِح , قومو رجّعو الحاجات في شنتطتها الراجل جايّ
شهد : آي والله جغمسنا ليهُو حاجاتو تجغمس الجِن
فِي جهةٍ أُخرى /
سليم : أرمِي من يدّك ياا إنسان
هشام بين إندماجه بالقراءة : ياخ الزُولة دِي كاتبة عَظيمة !
سليم وهوَ يجلس ليُرتبّ الحقيبة : رسّلَت لي العنوان , أخلَص خلينا نلحق نمشي ونجِي قُبّال العشا, عارف أُمي ما بتهظّر في جمعة الأكِل
هشام : أنا ح أشيل الدفتر دَا
سليم وهو يرمقهُ بنظرته الحادّة : نعم ؟
هشام وهوَ يحتضن الدّفتر إليه : حَ أشيلُو
سليم : هشام ما تجِن , جيب الدّفتر دَا !
هشام : أبيت
سليم : يا وَد أمانة الناس
هشام : برجّعو , بس ما هسّي
سليم وهوَ يستغفر : هشام !
هشام : صدّقني
سليم : لا حَول ولا قُوّة إلا بالله
ينهَض هِشام ليُقفل الحقيبة ويحملها مُتجّهاً إلى الخارج , مُحكماً قبضتهُ على الدّفتر : أرَح
يتبعهُ سليم مُستغفراً : ارح
__
إكتمل تَوضيب الحقيبة , إضاءات المنزل الخافتة إستهوَت شهد للجلُوس بِمفردها ؛ هِبة داخل المطبخ وتقوى بالأعلى تتعرّف على تفاصيل المنزل ؛
تقوى لِ هبة : والله ماشاء الله , بِيتك تبارك الرحمن ؛ شِي راقي
هِبة من المطبخ : الحمدلله تِعبتَ فيهو والله عوّضني , إستنو بعد نطلع نتعشّى في الحديقة حتعجبكم القعدة
يرنّ الهاتف ؛ تهروِل تقوى : دا تلفونِك يا شهد
شهد وهيَ ترفع ناظرها إلى الأعلى مُتساءِلة : مِنو
تُجيب تقوى : دا أبُوي , مرحب أبوي
محمّد : تقوى , وصلتو كِيف يابتّي , شهد وينا ما جنبك؟ جاتكم هِبة ولا لسّة
تقوى مُطمئِنةً إياه : بخيير يابَا بخير , الحمدلله ماعلينا عوجَة إلا فاقدنّكم
محمد : نحنا زاتنا فاقدنّكم يابتي , إن شاء الله مُرتاحين هناك ماف شي مضايقكم
تقوى : لا الحمدلله رُوقَه
يرنّ الجرس مُقاطعاً إنصاتهم للمُكالمة , تنهَض شهَد مُهرولة إلى الباب وهيَ تستلم التُوب من طَرف الكُرسي لترتدِيه على عجَل
محمّد : دا جرس البيت ولا شنُو , مُستنيين زُول ؟
تقوى بإرتباك : لالا , آي ؛ هناي
تفتح شهد الباب بِلهفة : شطنتي
يتفحّصها سَليم بِنظرِه : بِيت هِبة الهَادي؟
تُمعِن النظر فِيه : أيوَة
تقترِب هِبة إلى الباب : أهلاً وسهلاً
سلِيم : حضرتِك هِبة
هبة : أيوة ؛ إنتَ صاحب الشنطة مُش
سليم : أيوة ؛ إتفضّلي
تستلم شهد الشنطة وهيَ تتذكّر ملامحهُ إلى أن تهبِط بها الذاكرة فِي ذلك اليوم , يومَ رأتهُ أمام منزلهم بالبلَد , ومُنذ ساعاتٍ عندما كانَ في الحافِلة !
هِبة : ياتقوى , جِيبي الشنطة حبيبة
تقوى : يلّا جايباها
محمّد : شنطة شنُو يا بِت؟ في شنُو؟
هِبة : أ.. إتفضّل عليك الله
سليم : لالا مافِ داعي , الشنطة بَس لو سمحتي
شهد بصوتٍ خفيض : جايبنّها حنتعشّى بيها يعني ! استغفرالله..
هِبة : طَب عن إذنك دقايق ؛
سليم وهوَ يُريح كفُوفه داخل جَيبِه : تمَام
ما إن تبتعِد حتّى يزفر بِضجر مُزيحاً قِناع الذوق الذي كان يرتدِيه , ينظُر إلى شهد : ممكن كُبايّة موية
يترفع حاجِبها بينما ينخفَض الآخر : مُش قُلنا إتفضّل ؟ مدام عطشان مالَك ما اتفضّلتَ !
سليم : ماداير أتفضّل , وماداير مُوية , أجري إستعجلي سِتّك
شهد : سِتّي؟ ؛ تُعيد ترتيب كلامهُ حتى تدرك مقصدهُ
تنطِق بِغيظ : إنتَ شايفني خدّامة !
سليم بإستغراب : أنا آسِف , إنتي ماخدّامة ؟
تنظر إلى التوب الذي ترتدِيه بعشوائية , وإلى ملابس خالتها القادِمة وتزفُر بِغَيظ : ماا خدّامة
تهروِل إلى الدّاخل تارِكةً حقيبتها أمام البَاب
هِبَة : إتفضّل
سليم : شُكراً
هبة : العفُو , وتسلم على ذوقك
سليم : العفو منّك.. عن إذنِك
هِبة بإبتسامة : إتفضّل
يُبادلها الإبتسام وينصرِف
هِشام من خارج الحديقَة : مالك طوّلتَ كِدا
سليم : شُفتَ ليك شُوفه
هشام : شُفتَ شنو ؟ ارح أركَب أركب واحكي ليّ
في الجهةِ الأخرى /
تدخُل تقوى تتبعها هِبة حاملةً الحقيبة؛
تقوى : واي ابوي ما