الجزء 7
وسَطَ هدوء تِلك القرية وسكُون أهلهَا عند إرتحال الشمَس , ظلّ ذاك البَيْت مُشتعِلاً ؛ فِي ساحة الحُوش الواسِعة وُضِعَت الأسِرّة مُتقابِلة
محمّد : كلام شنو دا يُما , البِت فايتاها عند الناس الغُريبة وطَاايره لِي شُغلها
السُرّه : عيب عليك يامحمد واللهِ عيب , المرَه ضغطها نِزل وودّوها المستشفى وإنتَ في كلامَك الفاضي دا
محمد : يُمّا الضغط دا عادي ويعنِي شنو , البنات ديل أمانة عندها أمانة , هي المِن الله ما مسؤولة ولا بتعرف الإلتزام
السُره : خلّي مشاكلَك الشخصية بِي غادي يامحمّد , المرَه البتتكلّم فيها دي خالة شهد وبتخاف عليها زيّك يمكِن أكتر
يبتسم هازِئاً ثُم يرفَع راحة قدمهُ اليُمنى عن الأرض ليضعها على حافّة السرير , يعُود بجسدِه للخَلف ويُسند ذراعهُ اليُمنى على ركُبتِه : بتخاف عليها أكتر منّي قال , والله شي يحيِّر
تقترِب ساره حاملةً أكواب الشايّ : تقوى كلّمتني هسي وقالت إنّها إتحسّنت وفاقَت
محمّد : خلينا منها هسي شهد جات عليهُن ولا لسّه ؟ ديك كان ماتَت أتّموت
السُرّه بِتنهيدة : أستغفر الله العَظيم
تضع الشّاي أمامهُ وتجلس : مِن فاقت طلعت جابتهَا , ما اتأخّرَت
محمّد : أخِير
__
في طَرِيقهم إلى المنزل /
شهَد بِخوف : يا خالتُو إنتي قادرَه تسوقِي
هِبة : بقدَر
شهد : الحصَل شنُو بَس
تقوى : واللهِ عِلمي علمك , أوّل شي لقيت وشّها مُتغير وقالت دايرة شي تشربُو , مشيت وجِيت لقيتها غمرانة !
هِبة : أنا بخير يا بنات خلاص ماتتوّترُو ساي
شهد : ما بخير ولا حاجة , أساساَ مِن جينا هنا والمشاكل واقفَة صف
تقوى : ليه مالِك إنتي , تشهَق بِذُعر : سجمي بس ماتكون المرَه طردتِك من البيت أنا أقول البت قاعدة في الشارع مالَا !
شهد : ما طردتني قُولي بسم الله , بالعكس وافقَت وادّتني مساحة كبيرة عشان أنتِج الكتاب
هِبة بإبتسامة وصوتٍ مُتعب : جَد
شهد : أيوة
تقوى : اها الحمدلله معناتا , مشاكِل شنو دِي الواقفَة ليك صَف
شهد وهيَ تمحُو آخر حدَث من ذاكِرتها : أنسي
تلتفِت إلى النافذَه ومِئات الأسئلة تُراوِدها : ياربِّي حصل لّيهُو حاجة؟
في جِهةٍ أخرى /
تستقرّ قطعة الشّاش أخيراً على الضِمادة
بعد عِدّة لفّات أحاطَت رأسهُ , يُثبّتها لهُ ويعتدِل جالساً بِجواره : بس فهّمني إنتَ عملت ليها شنُو لمّن تفنّك بي حجر قدُر دَا
يُمسك رأسهُ متألّماً : ما عملتَ ليها حاجة بَس هي وحدة متوّحشة وهمجيّة
يرمقهُ بِعدم تصديق : ماعملتَ ليها حاجة ؟
سليم : بحكِي ليك وأحكُم
هِشام : أها
بِمنزل هِبة :
تقوى : سجم رماادِك !
شهد : ياتقوى ماتخوّفيني براي خايفة
تقوى : آي خافِي , إنتي يابت نصيحة ولا مجنونة طُوبة شنو يعني الفلقتيهُو بيها ؟
شهد : هو إستفزَّني !
هِشام : ليها حَق ياخي, ماعارف شنُو المزعّلك ؟البِت مامجبورة تعتذِر ليك لأنو في النهاية الشنطة كانَت في أمانتَك إنتَ
سليم : يا سلاام ؟ يتناول الوِسادة بِعصبيّة , ماتخلّيني أفِكّك بالمسندَة دِي مُش إنت الشّلتَ الدفتر !
شهَد : أيوة , هِشام الشالُو بس الولَد إعتذر بطريقة قِمّة في الذُوق بإنّو ساعدِني في إنتاج الكتَاب ؛ لكن اللطخ دَاك عمل شنُو ؟
تقوى : عمَل بي أصلو ورجّع الدفتر يا شهد ماتبقي جاحدَة كِدا
شهد : لا كان أحسن ما يرجّعُو ؟ عشان أمشي أقلعو من حباب عينُو
سَليم : أيوة , بي كُل بساطة كان ممكن أقفل في وشّها , مجبور أنا ارجع ليها حِتّة دفتر فارغ ؟ كانت حتعمل شنو يعني؟ هديك المحكمَة تمشي تشتكِيني , حتقُول ليهُم شنو؟ سرقو دفتري. هَه , حَسنتي سايرتها ورجّعتو لكن قالّيك إذا أكرمتَ اللئيم تمرّدَا
هِشام : أنا ح أتجاوز دهشتي بي إنّك بتعرف أمثال عربية , إنتَ جادّي شايف رُوحَك ما غلطان ؟
تصدّ مُكابِرة : ما غلطانَة
هِشام : لا حَول ولا قوّة إلا بالله .
*بعد مُرور يومَان
تقتحِم تقوى الغُرفة بإندفاع /
تقوَى : شهَد , شهد , شهد ؛ أصحِي !!
تفزَع مِن نَومها بِخَوف : في شنُو في زُول مات !!
تقوى : أفتحِي خشمِك دا بالخير , ماف زُول مات بس قُومي السّاعة 8 إلّا رُبع
تنُظر إليها بِعدَم فِهم : طيّب أعملّيها شنو أتصوّر معاها ؟
تقوى : يابِت قُومي..
تُقاطعها بِصوتٍ نَعِس وهي تتكوّم داخل مخدّتها : ياتقوى أنا صلّيت قبيل ومادايرة فطُور عليك الله خلّيني ياخ راسي دايِر ينشقّ من الصُداع امبارح قعدتَ لغاية 1 أكوِي في هدُوم الجامعة , تصمُت برهةً ثمّ تنهَض بِفزَع : سجم خشمي الجامعة !!
تقوى : صباح اللّيل بالنّهار يا السمحَة ام عجَن !
تنفض فراشها بعِيداً وتنهَض في وَجَل : بدل ما تتذاكِي فيني كان تصحّيني من بدرِي
تقوى : ولا تصحّيني ولا أصحِّيك خالتِك راجيانا في السيارة قالت 10 دقايِق ما طلعنا حتفُوت تخلّينا
شهَد : عشرَة شنُو ؟!
تقوى : دقاايِق
فِي جهةٍ أُخرى /
يفتَح باب الغُرفة بِهدوء ؛ فتحَة تُمّكنه من إدخال رأسِه , ينظُر إليها بإبتسامة جالسةً أمام المِرآه : بِت الجامعة
تلتفِت إليه فَتبتسم : هِشام , خُش
هِشام : لا انا
لِبست جزمتي بصراحة وما مُستعد أطلّعها تاني عشان أخُش غرفتِك المعقّمَة دِي
ملاذ : خُش ساي ياخ
ينُظر إليها بِتردد : جادّه ؟
ملاذ بِضحكة : تعال أدخُل
يفتح الباب بِشكلٍ كافٍ ليدخُل , يتقدَّم إليها : جِهزتي
تنهَض لتِقف أمامهُ حائِرة : ماعارفة , تلتفّ حول نفسها بِتلك التنُّورة ذات اللّون الرمادي ويعلُوهَا قميصٌ أصفَر , كِيف ؟
هِشام : جاهَزة تَب
تبتسم وتحتضنهُ
يحتضنها إليه بإبتسامة : مالِك ؟ متوتّرة ؟
ملاذ : لاا أبداً , أخوي ما حيفارقنِي ولا دقيقة أتوتّر من شنُو
هشام بِضحكة : هسّي دا أفهمُو فرَح ولا زعَل
تُشاركهُ الضحِك : فرَح فرح
في الطّريق :
تقوى : معقُولة يا هِبة تسحبينا كِدا زي خِرفان العيد , حتّى مِكياجي ما ختيتُو زي الناس
شهد وهيَ تُنهِي إتمَام ضفيرتها وترمِي بِها إلى الخلف : أحسَن عملَت فينا خير واللهِ إنها قطعَت مكياجك
هِبة : كان لازم أعمَل كِدا , نومكم خِرب من لمّا جيتُو هنا وبعدّه لازم يتصلّح حبة عشان الجامعة إضافةً لإنو لازم تشيلو المسؤوليّة ؛ الجامعة مسؤوليّتها كَبيرة
تقوى : بالجَّد
شهد : إنتِي المسؤولية بالنسبة ليك اللبسة والمكياج كان تامّات مابتشيلي هَم شي
تضحَك هِبة
تقوى : يخسِي عليك والله شايلة هَم الهندسة الدّاخلة عليها دِي
شهد : آي ظاهِر
هِبة : الله يوفقّكم يارب وأشوفكم دايماً ناجحين
شهد : يسمَع مِنّك ياخالتو
تقوى : آمين آمين
فِي جهةٍ أُخرى /
يُغلق الهاتف لِيضعهٌ جانِباً , تتجوّل نظراتهُ فِي الطاوِلة التِي تسند المِرآة؛ بحثاً عن ساعةٍ مُناسبة , تقع عينهُ على صُورتهِ في المِرآه فيُقطِّب حاجبِيه عابِساً أمام ذاك الشّاش الذي يُحيط أعلَى رأسِه , يلعنهَا ألفاً دُون أن ينطِق , يقطع نوبة سخطِه صوت البَابِ يُطرَق
سَليم : أيوَه
تفتح الباب وتدخُل بإبتسامةٍ كالرّبيع , تقترِب حاملةً البخُور لِتضعهُ جانِباً : صباح الخِير
يُبادل إبتسامتهَا بالعبُوس : صباح النُّور
بهَجة : سليم ؟ مالَك مِن الصباح يا ولدي ؟
يزفُر وهوَ يضَع ساعتهُ : مافِي شي
تُمسِك بكفّه وتأخذهُ لِيجلسان على حافّة السَرير , تتناوَل طرفّي الساعَه مُقصّرةً المسافة بينهم : مالَك
سَليم بِتنهيدة غَيظ : عاجبِك إنتي الشّاش الدّاخِل وطالع بيهُو دَا ؟
بهجَة : خلاص ما تتضايق , هسّي نشيلُو بتكون بِرَت إن شاء الله ؛ الله يسامِح الكان السبب بَس
سَليم : ما يسامحُو ! ما يسامحو ولا الله قَال
بهجَة : أجِي يخواني شُفّع صغار حندعِي عليهُم يعني يا سَليم !
سليم بِبلاهة : شُفّع منو ؟
بهجة : الفلقُوك بالحجر ياولدِي
سليم بإستيعاب : أيوا.. آي , يزفُر بِحقد : الله يسامحهُم
يرنّ هاتفهُ
سليم : دَا هِشام اكيد , يلّا أنا طالِع
ينهَض مُستعجلاً
بهجة : يا ولد إستنّى اشرب الشاي على الأقل !
يستلم هاتفهُ ومِحفظته : ماعايز يا أُمي خلاص , بفطُر في الجامعة ماتشيلي همِّي
بهجَة : سمِح برّاحة ما تقَع , زمن ما شُفتَك جاري للجامعة كِدا
يجلِس على حافّة السرير لِيرتدي حِذاءهُ : عندي شُغل مهم الليلة , دعواتَك
بهَجة : الله يوفّقك ويرضى عنّك يارب
ينهَض ليُقبّل جَبينها , ويخرُج مُهرولاً
أمَام بوّابة كُليّة "الهندسَة " /
تقوى : مُش كان نخلّي هِبة تخش معانا
شهَد : شُفّع إحنا؟
تقوى : أها يا الكَبيرة , أمشِي واقفة مالِك؟
تتقدّم بِبطء وهيَ تُمسك بِكفّ رفيقتها
بعد مسافة قَصيرة من السَير , تصِيح : لقيتُو
تقوى : شنُو هو !
شهد : البُورد , فيهُو الجدول على الأغلَب ؛ تعالِي نشُوف الدُنيا ماشّة على وِين
يهروِلان وصولاً إليه ؛ تضع إصبعهَا على سطح الورقَة وتبحث بإهتمَام , بينما تفحّصت عينَا تقوى تِلك الواقِفة بِجوارهم
تهمِس : واي عايني لِي دي ؛ هسّي دا لِبس ليها مع الناس
شهد وهيَ تنظُر حيث تنظر تقوى , تزفُر : أبلعِي لسانك دا لي مُدّة دقيقتين بَس
تتعجّب ومازالت تتفحّصها بِنظراتها : لِبس السواد , الكِرعين نصّهن برّا
شهد بِهمس : تقوى إنطمّي البِت لاحظت ليك
تقوى : سكتتَ
تسحَب شهد إصبعها بِتأفّفُ : ما فهِمت للجدوَل دا حاجة !
تقترِب إليهم بإبتسامة ؛ تهمِس تقوى بِتوتر : شكلها سِمعت كلامنا وجايّة تهاجِم , أبشري بِدايتنا حتكون مُشرِّفة
الفتَاة بإبتسامَة هادِئة : السّلام عليكم
شهد : وعليكُم السلام ؟
تقوى بإستغراب : وعليكم السّلام
تمُدّ يديها مُصافِحة : أنا رِيم
تُصافِحها بِسعة صَدر : شهْد
تقوى بِخجَل : تقوى
رِيم : سنة أُولى مُش ؟
شهد : أيوَه
ريم : أنا في تالتة مِعمار , تبتسِم وتٌكمِل : سِنيرتكُم يعني , لو إحتجتُو حاجة ما تترددّو مِنّي
تبتسم شهد : جَد ! الله جابِك معناها لأنو ما مستوعبة أيّ حاجة من الجدول
تقترِب لِتوضّح لهَا طريقة الجدول , يُنصِتان إليها بإهتمام
ريم : يعني مُحاضرتكم السّاعة 8 ونُص فِي القاعة دِيك , وتُشير بإصبعها بعيداً
شهد ناظِرةً إلى ساعتها : يعني بعد 5 دقايق !
تقوى : لو جرِينا ما بنحصِّل
ريم بِضحكة : والله لَو جريتُو بِتحصلُو
يتشبّثان بكفّيّ بعضيهما , ويُهروِلان وصولاً إلى القاعة
لِتنتقل هيَ لُمساعدة غَيرِهم
يدخُل إلى الكُليّة مُهروِلاً , يدُور نظرهُ بإستعجال إلى أن يهبِط لديها , يتقدّم مُستعجلاً : رِيم
تلتفِت إليها بإهتمام : سَليم ! وِين بلدك إنتَ وين ؟؟
سليم : إتأخّرت غصباً عنّي , ها عملتي شنُو
ريم : الله يحفظني لغاية الآن دخّلت نُص الدفعة الجديدة في القاعة
سليم : كويّس , خمسَة دقايق وندخُل
ريم : تمَام
تسنِد خدّها إلى باطِن كفّها مُحدِّقةً بالنّاس : شهد أنا ملِّيت
شهد مِن بين إنشغالها بالبحث داخِل الحقيبَة : طبيعي يا تقوى طبيعي حبيبتي إحنا مافي ملاهِي
تقوى بَضجر : أيوه لكن يِبدُو حاجه على الأقل , عايني يمين قاعدة أنعَس
شهَد : تقوى النُوتة حقّتي معاك ؟
تقوى : أنا فِي شنُو وهي في شنُو , مامعاي
شهد وهيَ تتفقّد الحقيبة مرّةً أُخرى : مشَت وين !
تجلِس إلى جوارهم فتاة بقميصٍ أصفَر زاهٍ , تلتقِط دفتراً صغيراً من الأرض وتمدهُ لهُم : بتفتّشي على دَا ؟
تلتفِت إليها شهَد , تبتسم بإرتياح وتستلمهُ مِنها : أيوه , شُكراً
تعتدِل في جلستها : العفُو , تبتسِم الفتاة وهيَ ترى الدّاخِل إلى القاعة
سَليم : السلام عليكم يا جمَاعة
يردّون إليهِ سلامهُ ويبدأ الحَديث , بين مُتسائل وساخِر
وشغُوف ينتظر حديثهُ بِلهفة.. ومُتفاجِئ !
بعدّ التعريف عن نفسهِ وعن سنَتهُ الجامعيّة , يرفَع صوتهُ قائلاً : ما بحبّذ المُقدمات الأدبيّة الطَويلة , فَ حَ أدخُل ليكم في خُطّة القِراية خاصّة والتخصُص بشكل عَام فوراً ؛ بتمنّى تنصتُو كويس لأنو حتفيدكُم لقدّام .. بعدين حَ أخليكم مع رِيم؛ تجاوِب على اسئلتكم كُلها
رِيم : مُش نعرِف إذا مُرحَّب بينا ولا لا في البداية يا سَليم ؟
يضجّ المكان بِجمُل مُرحِّبة وصدور رَحِبة وإبتسامَات باعثَة للإطمئنان , وبعيداً في نهاية القاعة مَن يُخبّئ وجههُ خَشيَة أن يُرى
تقوى : شهد ! يابتّ أرفعي راسِك دا ؛ أساساً قعدنا في نهاية القاعة زي شمّاسة الحفلات
شهد بِهمس : ياخي دا الجّابو شنو هِنا !! لأ يعني ضاقت الجامعات ! ضاقَت التخصُصات ! وشوفي حظّي إبن ال.. ما فضَل غيرو يكُون سِنيري !!
تقوى : شايفَة العاهه العملتيها لِي الولد جبهتُو بِقت زي حبّة البطاطس , ترفَع لها وجهها بِبطان كفّها ؛ يابِت ماماشِي يشُوفِك !
شهد مُتخلّصة مِن قبضتِها : فكّي , فكّي والله العظيم ألحّق جبهتك لِي جبهتُو ؛ ماعِندك شغلَه بي أنا مُرتاحة كِدا
يقطَع حديثهُ متضايِقاً : لو سمحتُو , هدوء عشان النّاس تقتدر تسمَع
شهَد بِهمس : كأننا مُولَعين بي كلامك , غَبي
تلتفِت إليها التّي بِجوارها : بتتكلّمِي عن سَليم ؟
تلتفِت إليها : فِي غبي غيرُو هِنا
تضحَك : حرام عليك , ظَريف
شهد بِصوت عالي : ظَريف !
يُصدر صوتاً من بين سبابته وإبهامِه : يا أُخت
تصدّ مُخبّأةً ملامحها , بينما أجابَت التي أمَامها بإستفهامٍ : أنا ؟
سليم : لأ , يا أُخت ؛ يزفُر ويُكمِل ؛ أُم قميص أزرق الفِي آخر بِينش !
تتسّع عيناها وعَينا تقوى بإندهاش , تنطِق دُون أن ترفع رأسها : آسفَة .. كمِّل
ينظُر إليها بإستغراب لا يقلّ عَن إستغراب البقيّة : إنتي معَانا ؟
تزفُر بِضيق وتُجيب على الحالة ذاتَها : أيوة
يقترِب بنظراتٍ مُستنكِرة : مُمكن ترفعِي راسِك طيّب ؟
تتنهّد بِعصبيّة وترفع رأسهَا : نعَم ! مالَك دخلت في الجوّ شديد كِدا ؟ قُول نصايحَك وإتفضّل مالَك ومال راسِي ؟
يندهِش وهوَ يتعرّف على صاحبة تِلك الملامِح رويداً رويداً , تنهَض من بين توبِيخ البعض وإنتقادهم وقهقهَات البعض الآخر والأجواء التِي أصبحت مُعِيبة , حامِلةً حقيبة ظهرهَا ؛ تخرُج , لِتلحَق تقوى بِها , ويعتذر هوَ عن إن كَان " دخل في الجوّ شديد " مِثلما قالَت , وينصرِف
يدخُل مِن بوابّة الكُليّة باحِثاً عن شَقيقته , لِيصطدِم بِتلك المُهروِلة بِملامح لم يعرف الهدوء إليها سَبيلاً , ترفَع ناظِرها إليه ؛ تُخبِّئ دهشتهَا وتبتعد عن طريقهُ مُسرِعة هامسةَ لِنفسها : ما كان ناقصِك إلّا صاحبُو يا شهَد
يُوقِفها بِنداءه : شهْد !
تزفر وتَقِف , ما إن يقترِب إليها حتّى تُغيّر رأيها وتمضي في طريقٍ دونَ أن تعرِف وِجهتهَا
يُتابع خطواتها المُسرِعة إلى أن تتوارَى عنه , ليتساءَل بإستنكَار : في شنُو !
*خارِج القاعة /
ملاذ : سَليم
يتوقّف إثر نِداءها : أيوَه
ملاذ : ما تتضايق ! إنتَ كُنت كويّس شديد وكلامَك عجَب الناس وحبُّوك !
سليم : عارِف
ملاذ : طيّب ليه خلّيت القاعَة , على فِكرة هي الحيتكلّمُو عنها كلام ما حلُو , لأنو اسلوبها ما مُحترَم
يزفُر وهوَ يعي في قرارة نفسه أن مافعلتهُ ردّة فِعل لِما نعتهَا بهِ ذلك اليُوم , إنتقاصاً كما إنتقصها : مافِي حاجة أنا أساساً أنهيت كلامي الباقي عِند ريم , أدخُلي إنتي ماتفوّتي على روحك فرصة زي دي رِيم برُوف دفعتنا
ملاذ : حاضِر , أشوفَك
يبتسم إبتسامةً خافِتة : أشوفِك
فِي جهةٍ أخرى /
تجلس تحت ظِلّ شجرة بعد أن إستسلمَت , تلفظُ أنفاسها وتُمسِك بالهاتِف لِترُد : ألو
شهد : ألو تقوى
تستعِيد حيويّتهَا بغتةً : شهد ! طِرتي وين تطيري ماتركّي ! إنتي وين يارمادة عُمري؟
شهد : والله
لو جينا للحقّ ماعارفة أنا وين , لكن تقريباً مكان جوّه الكُلية
تقوى : الله يجازِيك ياشهد الله يجازِيك على البتعمليهُو فيني
شهد : ياتقوى عملتَ شنُو انا ! ماتشغليها لَي عليك الله أساساً مزاجي ما تمَام
تقوى : أنا ياني العاملة دماغ ومُتكيّفة على الآخر مُش ؟ مفاصلي إنتهَت وانا جارية وراك إنتهَت
شهد بِبنرة خَفيضة : خلاص ماتكُوركي إحنا مافِي البيت
تأخذ نفساً وتزفرُه : البشُوفني بقول بتتشاكَل مع أبو العيال , الله يجازِيك ياشهد , هسّي نتلاقَى كيف ؟؟
شهد : ما تسألِيني وخلّيني في مِحنتي , ياخ الولَد رسمياً كِدا إتقمّص دور الدكتور , شنُو التباهِي الزايِد دا ياخ لا حَول ولا قّوة ! فِهمنا إنّك سنير فهمنا !
تقوى : شهَد
شهد : ها
تقوى بِنبرة هادِئة : أطلعي من الأبواب دِي حبيبة , أطلعي منّها , الولَد كان واقِف زي الباشا والناس كُلّها مبهُورة بيهو ؛ إنتي زاتِك من تحت البِنش كُنتي مُنتبهة لِي كلامُو كِلمة كلمة , ما تتسوِّي ساي
شهد : خلّي دَا , شنُو أسكتِي وأرفعي راسك شنُو حركات أستاذة منَال حقّت العربِي دِي !
تقوى : ياخِي معاهُو حَق ! يعني لو مامعاهُو حَق بِرأيي النّاس ماكانوا حيعاينُو لِيك بالطريقة دِي !
شهد : ياتُو طريقة ! ياربّي من أول يوم أخدتَ سُمعة زي الزّفت , برافُو يا شهَد ! ممتاز
تقوى : أجِيي
شهد : في شنُو ؟
تقوى : تعالي شُوفي الشوفة دِي
شهد: فِي شنو ؟
تقوى : الدُفعة كلّها واقفين معاهُو برّا
شهد : واقفين مع منُو ؟
تقوى : سَليم
شهد : مايقيفُو نعمل ليهُم شنُو يعني !
تقوى : شهد , خلّي العِناد الناس جُو يعتذرو ليهو شكلهم وهُم ماليهم ذنب , مفروض إنتِي تعتذري
شهد : شنُو ؟؟ عشم إبليس عشمُوو .
*تقوى : خلاص شُفتكِ أقفلي , ترفع كفّها : شهد , هِنا هِنا تعالي
تتقدّم إليها بِبطء
تقوى : مالِك رُكِبك نمّلت ؟ إستعجلي شويّة
شهد : كأنو حيطير يعني ماهدَا واقف زي الفزّاعة
تقوى : أرَح في زحمة الناس عشان مايكون شكلِك شاذ بعدين
شهد بِتفكير : معاك حَق , قُلتي حاجة صَح لأوّل مرة من أصبحنَا
تقوى : ماتنسي إتفاقنا تمام؟ سيطري على أعصابِك أعملي كنترُوول , إعتذري وتعالِي يلّا
تسحَب الهواء بارِداً إلى رئتيها لِتعيدهُ دافِئاً , تستجمِع جُرأتها وتتقدَّم
فِي جهةٍ أُخرى /
تضَع الورقة الأخيرة داخِل الملف وتطوِي صفحاتهُ إلى أن يُقفَل ؛ تحمله وتنهَض لِيُوقفها رَنين الهاتِف , تستلمهُ , رقمٌ مجهول , تهمّ بالإجابة فينقطع الرَنين , تضَع الهاتِف غير عابِئة وتذهب, ما إن تخرُج حتّى تصِلَ رِسالة .
هُناك , حيثُ الخُضرة والماء , وأنسامُ الصباح , في حديقة المنزل , وضعَت مُسودّات الكُتب أعلى الطاوِلة وشرعَت في تفقُّد مُحتواهَا ؛ تتقدَّم إليها الخادِمة لتُناولها كُوباً مِن القهوة , تستلمهُ بإبتسامةٍ شاكِرة
الخادِمة : عايزَة حاجة تانيَة
سوسَن : كُبايّة موية بَس
الخادِمة : حاضِر
تأخُذ رشفةً من الكُوب وتضعهُ جانِباً , حيث وقع نظرُها على تِلك الورقَة المُتمِّردة من الدفتر إلى الخارج , تستلمهُ لِتتفحصهُ , تتذكر صاحبتهُ فَتبتسم وتُخرج تِلك الورقَة , تقرأُها بِإمعان :
"5:00 مساءً
وضعتُ الشّاي على النّار وأدخلتُ يَدي في جَيْب فُستاني الورديّ , إستَلمتُ مكتوبَك من جَيبي الذي يحمل وردة.. وردةً صفراء, دافِئة كتِلك الكلمات التِي تُغرقني بِها حُباً , شغُوفة كنظرة عَيناكَ لِي , أتعلَم أين تُسافِر مكاتِيبُك بِي ؟ تأخذني إلى وطنٍ إسمهُ سلام.. شمسهُ لا تغِيب رُغم أنّكَ القمر فيه.. تظلّان أنتَ والشمس تُضيئَانِ يَومي , تُدفِّئان عُمري , إذا إبتسمتُ ؟ أنَت تضحَك , إذا حَزنتُ تَبكي , كأنني الشعُور وأنتَ الجسد..
أتدرِي؟ إن إبتعدتَ لا تكبُر أزهاري.. لا أُثمِر ولا أُجدِي, رغم إيمانِي بِبقائكَ.. رُغم قربك المفرط, أخشَى ذهابَك.
أبتسمُ وتتّسع إبتسامتي وعينايَ تجُوبَان الأسطُر والأحرفُ تُراقِصني .. أشعُر بِغيمةٍ على وشك أن تهتطُل.. أشعر بالسّماء تتلبّد.
5:30
وضعتُ الرِسالةَ جانِباً وتفقّدت السماء, كان سقفُ المطبخ هو الذي يتلبّد ,لقد تبّخر الماء وإحترقَ إبريقُ الشّاي ياوَليد! أُحبّك بحجم الماء الذِي أهدِر.. وأكثَر"
تظهر أسنانها البيضاء كَالؤلؤ إثْر إبتسامتها , تضع الورقَة وتُسند رأسها إلى ظهر الكُرسِي ذاهِبةً إلى عوالِمَ أخرى : ودّتني لأيام دافية جِداً الرِسالة دِي ؛ الله عليك يَا شهد
تمُدّ إليها بالماء , تتناول الكأس مِنها وتعُود لِمسودّات الكُتب , يرنّ جرس البَاب , تُهروِل الخادمة إلى البوابّة
تنهَض سوسَن : خلّيك أنا بفتح
تتناوَل تُوبها من طَرف الكُرسيّ لِترتدِيه : مِين
يُجيبها بِنبرته المألُوفة : أنَا
تفتح الباب : خالِد ؟
__
يتأمّلها بِنظرة إنتصار وهيَ تقتِرب إليه وناظِرها إلى الأرض , تُمسّد باطِن كفّها بِتوتر , يبتسِم بِحاجب مُرتفِع
شهد : سَليم
سليم : أيوَه ؟
تبتلِع ريقهَا مِراراً وهيَ تُعلّق ناظِرها بِكل ما يدور حولها عَداهُ , تنطِق بنبرةٍ خَفيضة : أنا آسفة
تتسّع إبتسامة نَصرِه : شنُو ؟ ما سامعِك معليش
تحبِس غضبها وتُكرّر : آسفَة
يُلاحِق وجهها بِعينيه لِيُعلِّق عينيه بِها : آسفة ؟ علَى ؟
ترمقهُ بِنظرةٍ حادّة داخِل عَينه,لِيبتعد
تُكمِل : آسفة لأنو قلّلتَ إحترام في القاعة
سليم بِنبرة مُستفِزّة : بَـس ؟
شهد : في حاجة تانية أتأسَّف عنّها ؟
يرفع كفّه ويُحصِي الأسباب بأصابع الكفّ الآخَر : قللّتي إحترام وعطّلتي سِير النِقاش وأزعجتينَا , فُرصة إني أكون سِنير كويّس ضاعَت بسبب وحدَة زيِّك
تعتصرّ كفها داخِل نفسه بِغضَب : لو عالإزعاج أنا آسفَة وبالجّد لما قُلتَ ليك كمِّل كُنت ناوية أسكُت ؛ لكن ماضيّعتَ فُرصة على زُول إنتَ لو واثق من نفسَك ما بتطلع تخلِّي مُحاضرتَك , عشان وحدَة زيّي ! يا باشمُهندِس.
تصدّ عنهُ ذاهِبة بِصدرٍ يحترِق , وغَيظاً لا تجد لتفاقُمهِ فيها تبريراً واحِداً !
بينما يلُوم هُوَ نفسهُ دون أن يفهم لِمَ ؟
فِي جهةٍ أُخرى /
تجلِس في الكُرسي الذي يُقابلهُ : يا أُم جُمعة , جيبي عصير
خالد : لالا , مافِ داعي
سوسَن : معقُولة ؟
خالد : واللهِ , انا ماقاعد كتير أساساً وراي شُغل
تنُظر إليه بإستسفار: طيّب في شنُو ؟ قلقتنِي ياخالِد
خالد : لالا رُوقي , ماف داعي للقلَق ؛ عندي ليك خَبر بقُولوا وبمشي
تزفُر بِضيق : وإنتَ كأنو كلمة بمشي وقايِم عِلقت في لسانَك مالَك ؟
خالد : بصراحة.. ماحاسّي إنو مُرحَّب بي
سوسن : معقولة يا خالِد ؟ كلام شنُو دَا بس ؟
خالد : أنسِي.. طبعاً راس السنَة قرّب
سوسن بإهتمام : أيوَه؟
خالد : فَ أنا إقترحت على الجِهات البِترعى الدّار نعمل إحتفال ويكون ثابِت بداية كُل سنَة , والجماعة وافقُو وكفلُو الحفلَة
سوسن بإندهاش : أ.. يعني ؛ ماعارفة أقُول شنو بِصراحة !
خالد : يعني , عجبتك الفِكرة ؟
سوسن : طبعاً عجبتني , إضافة لِي كدا الأولاد حينبسطُو بيها جداً
يتأمّلها بإبتسامة رِضى : الحمدلله إنها عجبتِك
سوسَن : طيّب إنتَ أدّيني أرقامهم وأنا بتواصل معاهُم عشان تنظيم الفقرات والضيُوف وكِدا كويّس ؟ دقايق أجِيب تلفُوني واللابتُوب
يُعلِّق ناظرهُ بِها : حماسِك حق أيام الجامعة دَا لِسّة ما إنتهَى ؟ لسّة زي ما إنتي يا سوسَن
ترتبِك.. يتبعثرُ نبضها ؛ تجمعهُ : أء.. شويّة وراجعَة
يبتسم ويحنِي رأسهُ : حاضِر ؛ مُستنِّيك
إنقضَت ساعاتُ النهار الطَويلة وحانَ الغرُوب, في الخامِسة قُبيْل الشّفق الأحمر حدّث الغيْمُ السماء , تجاذبَا أطراف الحِوار طَويلاً وإتّفقا أنّ الأرض عطِشة , إتّفقا أن تفتح السماء صدرها الرحِب لغيماتٍ حَزينة تُريد البكاء.. لعلّ دمعهَا يروِي الأرض فتخضرّ, فَتضحكُ الغيوم مُجدداً
صبَّت
همَس بِها لها لِتلتفِت , بينما تنتظر رفيقتها أمامَ الإستراحة وهيَ تعي أنهُ هوَ , لكنها تخجلُ من الإلتفات , تلتفِت أخيراً بإبتسامة إرتدتها رُغماً : هِشام
يُصافحها بِشوق الذي عادَت محبوبتهُ من سفرٍ بَعيد : بعد حالتِك الصباح ماحبّيت أرجع أزعجِك
تُحدّث نفسها بصوتٍ خفيض : ورجعتَ لشنُو طيّب
هشام : نعم ؟
شهد : لالا.. هئّه ما معاك
يبتسم ويُكمِل : بصراحة يعني دايِر أسلّم عليك من قبيل وشايفِك واقفة مع البنات بس ما حبّيت أجي وأتطفل .. بس شكلك طالعة حالياً قُلت أودّعك على الأقَل
شهد : البنات ؟ إنتَ بتعرفهُم ؟
هشام : أء.. ملاذ أُختي , وريم زمِيلة يعني
شهد : ملاذ أُختَك جد ؟
هِشام : أيوه !
تُحدِّث نفسها مُجدداً : إنتي إنتهيتي ياشهد.. نهاية بطَل.
هشام : عفواً؟
شهد : أء.. ملاذ ؛ زوله جميلة , بالجّد
يتأمّلها بِنظرات تُريد لو تبُوحَ لها أنها لم تُبقي من الجمال لِمَن هُم غيرها شيئاً , يبتسِم ولا يقْدِر : بتدخُل في الناس سريع هِي
شهَد : شدِيد
يبحث عن شيءٍ يُحدّثها حولهُ مُطوّلاً , يكاد يفتَح أمر الكِتاب حتّى تخرُج تقوى : شهد , يلّا مَشينا
شهد : يلّا , عن إذنَك
تذهَب , ويبدُو عليه الذبول فجأة بعد أن بدأ يُزهِر! : إذنِك معاك ..
__
" لا أدرِي ما الذي يقُوله المغرب للِسماء, حتّى تحمرَّ خجلاً!" تزدادُ هدوءاً وإتّساعاً .. كأنّها الحِنّاءُ في كفِّ عروسٍ جَميلة.. تصعَد إلى عَرَبتِها في وجَل , تضع الحقيبة جانباً وتنطلِق ؛ تستلم هاتفِها وهيَ تُحدّث نفسها : مامسكتَ الجوال من الصباح ياربّي البنات بِكونوا طَلعُوا تفتحهُ لِترى مكالماتٍ فائتة, مِن ذات الرقم المجهُول , وهُناكَ رِسالة ؛ تفتحها مُتساءَلة مَن المُرسِل , لِتُصدَم مِمّا كُتِب فيها مُجدداً: " عنوان بِيتك بقى في يدّي , جهزتي هدُوم مَرتِي ولاّ لا ياهِبة!!".
يُتبَع ...